چکیده:
تعد كلمة «الشفاعة» واحدة من أهم المفاهيم القرآنية التي تجذب نظر وتدبر كل مفكر قرآني. إن جميع جهود اللغويين والمفسرين والمتكلمين والعلماء هي محاولات لتوضيح بعض طبقاتها الدلالية، في حين لم يتم فحص جميع مكوناتها وطبقاتها الدلالية بمنهج دلالي (سيميائي). تُفهم هذه الكلمة في القرآن الكريم من خلال تشكيل شبكة دلالية واسعة مرتبطة بكلمات مفتاحية أخرى مثل النصرة، والولاية... إلخ، والتي يجب البحث عن العديد من مكوناتها الدلالية في الطبقات الأعلى. يهدف هذا البحث، باستخدام منهج الدلالة الوصفي - التحليلي التزامني، إلى توضيح معنى «الشفاعة» واستخراج مكوناتها الدلالية من القرآن الكريم. ومن خلال فحص الآيات التي وردت فيها كلمة «الشفاعة» والآيات ذات الصلة، يتضح أن هذه الكلمة في الاستخدام القرآني تقع ضمن حقل دلالي يتمحور حول الخلافة مع مفهوم النصرة والولاية، ويتمحور حول الاقتران بمفاهيم مثل النصرة والتأييد والنجاة والفضل، ويتمحور حول التقابل مع مفهوم اللعن وحبط الأعمال والعذاب الشديد في الدنيا والآخرة. إن اكتشاف المكونات الدلالية لـ «الشفاعة» من شأنه أن يؤدي إلى تجلي المعارف القرآنية الصافية بشكل أكبر للعباد الباحثين عن الحقيقة، وتجنب التفسيرات السطحية والانتقائية لآيات القرآن الكريم، وإظهار الرؤية الكونية الخاصة والمنظمة للقرآن الكريم.
خلاصه ماشینی:
إن دراسة الآيات التي وردت فيها كلمة «الشفاعة» والآيات المرتبطة بها، تُظهر أن هذه الكلمة في الاستخدام القرآني تقع ضمن حقل دلالي يتمحور حول "النيابة" مع مفهوم النصرة والولاية، ويتمحور حول "المجانسة" مع مفاهيم مثل النصرة، والتأييد، والنجاة، والفضل، ويتمحور حول "المقابلة" مع مفهوم اللعن، وحبط الأعمال، والعذاب الشديد في الدنيا والآخرة.
نقطة مهمة أخرى تبرز من خلال علم دلالة آيات القرآن وشبكة المفاهيم المترابطة فيها، هي أن العملية الكلية التي عُرِّفت في نظام الخلق من قبل الله تعالى وقُررت كإحدى السنن الإلهية، هي نصرة المؤمنين في ظروف خاصة، والتي يُطلق على نوع خاص منها «الشفاعة»، والدعوة للمؤمنين والإرشاد الذي يتم للمؤمنين في هذا السياق من قبل الله تعالى، يُطلق عليه «التوسل»؛ أي أن الشفاعة والتوسل هما وجهان لعملة واحدة، يصور كل منهما جانباً من تلك الحقيقة الجارية في نظام الوجود.
انحصار النصرة لله تعالى مثل الشفاعة إن «النصرة» التي هي من حيث المعنى أوسع من «الشفاعة»، لها شمول دلالي أكبر وتدخل الشفاعة تحت شمولها، وهي في كثير من الأحكام تشبه الشفاعة؛ ومن ذلك انحصار هذه النصرة بالله تعالى، حيث إنها -مثل الشفاعة- تختص في المقام الأول بالله عز وجل، وفي المراحل التالية يكون بعض الأشخاص مأذونين بالنصرة والشفاعة من قِبَل الله: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» (آل عمران: ١٢٦ والأنفال: ١٠).
وقد طُرحت بعض ثمراتها مثل مغفرة الذنوب ودخول الجنات، وهي الثمار التي توجد في نصرة الآية ١٣ من سورة الصف؛ فهل هناك هدف أو لازمة للشفاعة -التي هي النصرة- غير مغفرة الذنوب ودخول الجنة ؟ لذا، من الضروري إجراء دراسة دلالية كاملة لمفهومي الإيمان والجهاد في سبيل الله في القرآن.