چکیده:
من بين بؤر التنافس المختلفة بين الولايات المتحدة وروسيا، يحظى جنوب القوقاز بأهمية فائقة. في فترة ما بعد الحرب الباردة، أولت الولايات المتحدة اهتماماً خاصاً بهذا المجال الجيوستراتيجي والجيواقتصادي في إطار توسيع نفوذها في جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي (ما تعتبره روسيا "الخارج القريب")، واستطاعت على الأقل توجيه التوجهات السياسية والأمنية لجمهوريتين في القوقاز (جورجيا وأذربيجان) نحو الغرب. لم يكن هذا الوضع مرضياً لروسيا أبداً، ولذلك حاولت من خلال طرق مختلفة منع اختلال توازن القوى على المستوى الإقليمي لصالح الطرف الآخر. إن روسيا في عهد بوتين، التي حسنت وضعها تدريجياً على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي، شعرت في الآونة الأخيرة - خاصة بعد طرح برنامج الولايات المتحدة بشأن نشر نظام الدفاع الصاروخي في أوروبا الشرقية (بولندا والتشيك) - بخطر الولايات المتحدة بشكل أمرّ من ذي قبل، وبالتالي أظهرت مقاومة أكثر جدية. وقد وصل التنافس بينهما في السنوات الثلاث الأخيرة إلى ذروته، لدرجة أن البعض وصفه (بتعبيرات صحفية) بأنه بداية حرب باردة جديدة. في ظل هذه الأوضاع، تعرض القوقاز، باعتباره بؤرة مهمة للتنافس بين هاتين القوتين، لضغوط نظامية أكثر شدة وأصبح عرضة لتحولات خطيرة. سنتناول في هذا المقال بشكل أساسي ومفصل هذا التنافس الشديد أو "اللعبة الكبرى" في القوقاز.
خلاصه ماشینی:
ولا تزال روسيا قادرة على أن تكون منافساً كبيراً لأمريكا، وربما تتحول مرة أخرى من خلال إحيائها واستعادة قوتها السابقة إلى ندّ مكافئ لأمريكا، وسيكون هذا الأمر (بالنسبة للولايات المتحدة) أكثر خطورة إذا انتبهنا إلى أن قوة الشرق الأخرى، أي الصين، ستتحول أيضاً وفقاً لبعض التوقعات في مستقبل ليس ببعيد إلى أحد أهم المنافسين لأمريكا، وفي حال حدوث تحالف استراتيجي بين هاتين القوتين الشرقيتين، فإن توازن القوى على المستوى العالمي سيتغير بشكل حاد لصالح الشرق وضد أمريكا، وهذا يعني نهاية طموحات وأطماع نسر الغرب.
وفي هذا الوضع، تحولت القوقاز -التي كانت روسيا تعرفها دائماً في إطار منطقة نفوذها- إلى ساحة مواجهة جدية بين أمريكا وروسيا، وهذا التنافس الكبير يؤثر بشدة على التحولات الإقليمية و وبخاصة أمن واستقرار المنطقة.
وبالنظر إلى هذا المنظور النسقي، يمكن طرح هذا التقسيم على نحو تقريبي: قسم المركز: جمهوريات القوقاز الجنوبية الثلاث (أذربيجان، وأرمينيا، وجورجيا) قسم المحيط: في المقام الأول روسيا، نظراً لسيطرتها على القوقاز الشمالي وكذلك حضورها ونفوذها التقليدي في القوقاز الجنوبي، وفي المقام الثاني تركيا وإيران، حيث ترتبط هاتان الدولتان أيضاً بعلاقة وثيقة جداً مع القوقاز الجنوبي بسبب روابطهما التاريخية والثقافية والعرقية، ويمكنهما، سواء بشكل محتمل أو فعلي، القيام بدور في شؤون المنطقة وخاصة القضايا الأمنية فيها.
لا تزال هناك مخاوف أمنية لا حصر لها بالنسبة لروسيا في القوقاز، والتي لا شك أن من أهمها استمرار خطر الانفصالية في شمال القوقاز؛ حيث يمكن للقوى التي تسعى لزعزعة الوضع الراهن (وخاصة الانفصاليين الشيشان) أن تكون مؤثرة ومتأثرة بتصاعد الأزمة في بعض نقاط جنوب القوقاز بما في ذلك جورجيا، مما قد يؤدي إلى تحفيزهم ويجعلهم يشكلون خطراً على روسيا.