چکیده:
يُعد الانضباط الاجتماعي ـ وهو تعاون وتنسيق أفراد المجتمع مع بعضهم البعض من أجل تحقيق أهداف مشتركة ـ اليوم من أهم أدوات قياس مدى نمو العقلانية الجماعية والمدنية والتنمية الاجتماعية في المجتمع. لقد أعد الدين أتباعه جيداً لقبول مسؤوليات الحياة الاجتماعية، وخاصة السلوكيات المنضبطة والمتناغمة مع الآخرين، سواء في مجال التشريع وتنفيذ القانون أو في مجال التعليم والتربية. وبما أن الإسلام، بوصفه مؤسس واحدة من أكبر الحضارات البشرية، قد دعا أتباعه إلى تأسيس أمة متحدة حول محور التوحيد، فقد أكد في جميع تعاليمه لتحقيق هذا الهدف، لا سيما في مجال الأخلاق الاجتماعية، على عناصر مثل العدل، والتعاون، والأخوة، والتسامح، والوفاء بالعهد، والصدق، والأمانة... التي تؤدي إلى تماسك المجتمع وزيادة الشعور بالمسؤولية المشتركة والتعاون الجماعي.
خلاصه ماشینی:
وفي المقابل، يؤكد دوركايم أنه: إذا كان الدين في مجتمع ما على شفا الموت، فلا يمكن علاج تفكك وانهيار هذا المجتمع بأي شيء آخر (كوزر، همان: 198).
وبالمثل، فإن التعاريف التي قدمها العديد من الفلاسفة الغربيين، الذين اعتبروا مجرد سلوك الإنسان موضوعاً لعلم الأخلاق وتجاهلوا مبدأ ومصدر هذه السلوكيات، تمثل نوعاً آخر من وجهة النظر الحد الأدنى في تعريف الأخلاق، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.
إن ما يظهر بوضوح في تعاريف المفكرين المسلمين حول الأخلاق، والتي ذكرنا نماذج منها، هو تركيز هذه التعاريف وتأكيدها فقط على الصفات والملكات النفسانية، بينما تم تجاهل الفعل والعمل ذاته الذي يصدر عن هذه النفسيات التعريف الأدنى والأقصى للأخلاق إن التعاريف التي قُدمت لـ «الأخلاق» أيضاً ـ كما قيل في مورد «الدين» - يمكن تصنيفها من الحد الأدنى إلى الحد الأقصى بالنسبة للمسائل التي تشملها.
التعريف الأقصى للأخلاق بناءً على هذا التعريف، لا تقتصر الأخلاق على ضمان العلاقات الاجتماعية للبشر فحسب، كما أنها لا تشمل فقط الصفات والملكات النفسانية، بل: إن جميع السلوكيات والملكات النفسانية التي تكون قابلة للمدح والذم وتملك صبغة قيمية، تدخل في دائرة تعريف «الأخلاق»، سواء كانت هذه القيم تتعلق بعلاقة البشر ببعضهم البعض، أو في علاقة الإنسان بالله، أو حتى في علاقة الإنسان بنفسه (راشد، 1379: 84).
وبناءً على هذا التعريف، فإن حتى قواعد الحساب والهندسة وصيغ الفيزياء والكيمياء تقع في نطاق الدين من حيث ارتباطها بالإنسان وتكامله، رغم أن هذه العلوم لا علاقة لها بالدين من جهة أنها تبين وتثبت العلاقات العلية بين الظواهر (قلي پور، المرجع نفسه: 95).
وبناءً على ذلك، فإن دوركايم من بين علماء الاجتماع الذين أولوا اهتماماً للدور الإيجابي والمُنظم للدين حتى في المجتمعات غير الدينية.