چکیده:
ابن خلدون هو أحد العلماء المسلمين في القرن الثامن الهجري القمري (732-808 هـ.ق)، وفي هذا المقال، مع التأكيد على أثره القيم «المقدمة»، يتم بحث تأثير البيئة على سلوك والحالات النفسية للإنسان في مجتمعين: البداوة (العيش في الخيام، العيش في الريف) والحضارة (العيش في المدن). من منظور ابن خلدون، تُطلق البداوة على حياة الناس الذين يعيشون في بيئة غير المدينة. يمكن أن تشمل هذه البيئة العيش في الريف، أو الخيام، أو الصحراء، وما شابه ذلك من الأماكن. بينما تقتصر الحضارة على سكان المدن الذين يعيش معظمهم حياة متمدنة. يعتقد ابن خلدون أن العمل الرئيسي للناس في البداوة هو الزراعة وتربية المواشي، ويؤمنون معيشتهم الأساسية من خلال ذلك. إن الحياة في البداوة، بسبب الظروف البيئية القاسية، تؤدي إلى تعزيز سمات مثل العصبية، والشجاعة، والسلامة الجسدية والنفسية، وسرعة الغضب، والتدين، إلخ. في حين أن سكان الحضر، بسبب تمتعهم بالرفاهية والراحة وحب الترف، لا يفتقرون فقط إلى سمات سكان البداوة، بل هم بعيدون أيضاً عن الخصائص الإنسانية. خلاصة هذا البحث هي الوصول إلى نهج لا يخفي فيه ابن خلدون حنينه إلى المجتمع الريفي رغم إعطائه أهمية للمجتمع الحضري. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يوضح بوضوح تأثير البيئة الريفية والبيئة الحضرية (على حدة) على السلوك. في الواقع، إن اهتمام وتأكيد ابن خلدون على تأثير البيئة على السلوك ودورها في تشكيل البداوة والحضارة ينبع من الأبعاد المختلفة لنظريته، حيث يتناول ذلك كأحد القضايا الرئيسية في نفس الإنسان وعلاقتها بالبيئة الجغرافية والبيئة الاجتماعية.
خلاصه ماشینی:
فهو يقدم آرائه من خلال مقارنة المجتمعات البدوية والحضرية (الريفية والمدنية) ويجري دراسة دقيقة وواسعة، ويعدد خصائص كل من هذه المجتمعات بطريقة لم يسبق لأي مفكر أن تناولها بهذا الاتساع؛ أي مسار تحول المجتمع من حياة البادية البسيطة والعميقة إلى الحياة المعقدة والمتنوعة (1)- Documentary method (2)- Content analysis ويرسم بدقة مسار التحول من حياة البادية البسيطة والعميقة إلى حياة المدينة السطحية التي تلبي معظم نزعات الإنسان، وفي هذا الرسم يظهر بوضوح تأثر البيئة الاجتماعية بالبيئة الطبيعية والمناخية، لدرجة أنه تمت الإشارة إلى هذا الموضوع بشكل مباشر أو غير مباشر في ثلاثة أبواب من أصل ستة أبواب المقدمة: الباب الأول الذي خُصص لدراسة الاجتماع الإنساني بشكل عام ويتناول تحليل العلاقات البيئية والتأثير المناخي.
و) الاغتراب عن الذات: «إن غاية العمران والاجتماع هي الحضارة والترف، ومتى ما وصل الاجتماع إلى غايته فإنه يرتد إلى الفساد، ويدخل في مرحلة الشيخوخة مثل العمر الطبيعي لجميع الحيوانات، بل نقول إن الخصال التي تُكتسب من الحضارة هي عين الفساد؛ لأن الإنسان لا يمكن تسميته إنساناً بلا شك إلا إذا كان قادراً على جلب المنافع ودفع المضار والثبات على أحواله وأخلاقه في السعي في هذا الطريق، في حين أن الفرد المقيم في المدينة لا يملك القدرة على توفير احتياجاته لنفسه، إما بسبب عجزه عن ذلك نتيجة حب الراحة، أو بسبب الطموح المفرط الذي نشأ لديه بسبب التربية في مهد الدلال والنعمة وحب الترف، وهاتان الصفتان كلاهما مذمومتان؛ وكذلك لا يستطيع دفع الأضرار عن نفسه لأنه يفقد خصلة الشجاعة بسبب الترف والقهر والتأديب، ونتيجة لذلك يصبح معتمداً على قوات الحراسة والجيش ليدافعوا عنه.