چکیده:
نظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا هي علم يبحث في معارف الإنسان وتقييم أنواعها وتحديد معايير الصدق والكذب فيها. ورغم أن هذا الموضوع، كعلم مستقل وفرع من فروع الفلسفة، ليس له تاريخ قديم وعريق في تاريخ العلوم، إلا أن المفكرين لم يغفلوا أبداً عن مسألة المعرفة وقيمتها وأهميتها، ولا يقتصر تناول هذا الموضوع على العقود الأخيرة فقط. في الفلسفة والمنطق الإسلامي أيضاً، طُرحت مباحث نظرية المعرفة بأبعاد مختلفة وبشكل متفرق، وكثير منها اتخذ صبغة وجودية وليس معرفية. وقد تناول العلامة الطباطبائي في مؤلفاته، في بعض الحالات بشكل مباشر وفي أحيان أخرى من خلال نقاشات فلسفية أخرى وعلى نهج السلف، المباحث المتعلقة بنظرية المعرفة وتعريف وسائط المعرفة. تبحث هذه الكتابة في وسائط المعرفة من وجهة نظر العلامة الطباطبائي. وهو، مثل غيره من المفكرين المنتمين إلى الحكمة المتعالية، قد سعى إلى مراعاة تداخل العرفان والفلسفة والقرآن في فهم الحقيقة، اتباعاً للسنة النبوية وسيرة الأئمة الهدى، واستخدام أدوات المعرفة الثلاثة ـ وهي الشرع (الوحي)، والعقل، والقلب ـ في آن واحد وبشكل متناغم. ومن وجهة نظر العلامة، فإن وسائط المعرفة هي: الحس، والعقل، والفطرة، والشهود، والتي تشمل أيضاً الوحي، والإلهام، والرؤيا.
خلاصه ماشینی:
ويوضح مقتل هابيل قائلاً: إن هذا الجزء من قصة ابني آدم، حيث أرسل الله تعالى غراباً ليعلم القاتل من خلال نبش الأرض كيف يخفي جسد أخيه، وبعد مشاهدة عمل الغراب قال: «يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين»11، هي آية من القرآن ليس لها مثيل في نوعها في القرآن، وهي آية تجسد حال الإنسان في استخدام الحس، وتذكر بأن البشر يدركون خصائص كل شيء بواسطة حواسهم، وبعد الإدراك والشعور، يجعلون منها مادة خام لجهاز التفكير لديهم، ومن تلك المواد الخام يصنعون قضايا بجهازهم الفكري لتفيدهم في أهداف ومقاصد حياتهم12.
ويرى العلامة أن دليل تفوق عالم العقل على عالم الحس هو سعة عمل القوة العاقلة، ويقول إنه بسبب امتلاك القوة العاقلة، فإن الحواس نفسها الموجودة في الحيوانات الأخرى تتسع في الإنسان لدرجة لا يمكن قياس مداها؛ لأنه بواسطة تلك القوة، يدرك الإنسان أشياء ليست أمامه، أو ليست موجودة الآن ولكنها كانت في الماضي أو ستأتي في المستقبل؛ كما يدرك آثارها وصفاتها بوساطة أو بدون واسطة.
ب) القلب أو الفؤاد هو ذات العقل يعرّف العلامة طباطبائي الفؤاد، في شرح العديد من آيات الكلام الإلهي (مثل الآية 78 من سورة المؤمنون؛ {/«و هو الّذی أنشأ لکم السّمع و الأبصار و الأفئدة قلیلا ما تشکرون»/})، بأنه منبع التعقل لدى الإنسان، ويرى أن هذه النعمة مختصة بالإنسان دون سائر الحيوانات، ويقول: إن مرحلة الحصول على الفؤاد للموجود الحي هي مرحلة وجودية جديدة، تأتي بعد مرحلة الحيوانية التي هي عالم الحس.