چکیده:
بصفتهم حماة وحافظين لـ «أهل السنة والشريعة»، شهد السلاجقة منذ استقرارهم في السلطة السياسية بعد معركة دندانقان (431هـ)، تعاملات متقلبة مع مختلف فرق ومذاهب أهل السنة والشيعة. كان التوتر والمواجهة بين الحنفية في نيسابور والأشاعرة -باعتبارهم أحد التيارات الكلامية التابعة للمذهب الشافعي- ولعن وتكفير أبو الحسن الأشعري ونفي عدد من علماء الشافعية المستقرين في نيسابور، من بين الأزمات السياسية-الدينية المهمة والتحديات الكبرى في المراحل الأولى لاستقرار السلاجقة في خراسان. وهو أمر ناتج عن سقوط الغزنويين واختلال معادلات حضور ودور أتباع المذاهب الشافعية والحنفية في هيكل النظام السياسي المستقر في خراسان. وقد وصف مؤرخو الشافعية في العصر السلجوقي التوتر الشافعي-الحنفي في نيسابور بأنه «محنة» ومصيبة دينية شاملة وعظيمة للعلماء وأتباع المذهب الشافعي في نطاق مدن العالم الإسلامي؛ رغم أن الموقع الجغرافي وزمن وقوع هذا الحدث كان محدوداً بنيسابور ولم يتجاوز ثلاث سنوات. كما أنه على الرغم من أن هذه الواقعة تظهر في الظاهر كتوتّر وأزمة دينية، إلا أن المنافسات السياسية للنخب المذهبية وسعيهم للحضور في ساحة النظام السياسي السلجوقي لعبت دوراً حاسماً في وقوع هذا الحادث أكثر من الخلافات الكلامية والعقدية والمنافسات الدينية الناشئة عنها. وبالنظر إلى ما سبق، يسعى البحث الحالي من خلال نهج نقدي لروايات المصادر التاريخية وانعكاسها في أبحاث بعض الباحثين، إلى تحليل وتقييم أبعاد ومدى أزمة التوتر والصراع بين الشافعية-الأشاعرة والحنفية في نيسابور، فيما يتعلق بدور عامل المنافسات السياسية لنخب هذه المذاهب وسياسات الحكم السلجوقي في استغلال مثل هذا الوضع.
خلاصه ماشینی:
إن التوتر والشقاق بين الحنفية في نيسابور والأشاعرة، بوصفهم أحد التيارات اللاهوتية للمذهب الشافعي، بالإضافة إلى لعن وتكفير أبي الحسن الأشعري ونفي عدد من علماء الشافعية في نيسابور، كانت من بين أهم الأزمات السياسية الدينية وأكثرها تحدياً في المراحل الأولى لتأسيس السلاجقة في خراسان.
وقد كان ادعاء المؤرخين وطبقات الكتاب الشافعية واسع النطاق ومؤثراً لدرجة أن مؤرخي العصور اللاحقة أيضاً / قبلوا ذلك، وحتى الباحثون في العصر المعاصر قبلوا وجهة نظرهم، رغم أن هذه الواقعة لم تشكل أبداً توتراً أو مواجهة شاملة بين أتباع المذهبين الشافعي والحنفي في نطاق الإمبراطورية السلجوقية، بل كانت بالأحرى حدثاً عرضياً ومؤقتاً نشأ نتيجة مساعي بعض نخب وممثلي الشافعية في نيسابور لتولي منصب الوزارة لدى السلطان طغرل بك.
فقد شعر عميد الملك كندي، وهو حنفي المذهب وكان المرشح الأول لتولي الوزارة لدى طغرل بك، بالخطر من سعي الشافعية-الأشاعرة، وقام بمواجهة مساعي منافسيه السياسيين بدعم ومساندة حنفية نيسابور، وبالاستناد أيضاً إلى القوة السياسية والنظامية المستمدة من مكانته لدى طغرل بك؛ وبناءً على ذلك، اشتد التنافس بين الشافعية-الأشاعرة والحنفية في نيسابور بتدخل كندي، وكانت نتيجة هذا التنافس السياسي ذو الصبغة الدينية هي وقوع "المحنة" للشافعية بتهمة الأشعرية، واعتقال ونفي نخب المذهب الشافعي في نيسابور.
في حين أن الشافعية، بسبب نفوذهم الأقل في الجهاز الإداري الغزنوي، استقبلوا السلاجقة عند دخولهم نيسابور عام ٤٢٨ ق بشكل أكبر مقارنة بالحنفية، وكان هذا العامل مؤثراً في قرب واهتمام السلاجقة بالشافعية في بداية استقرارهم في خراسان (Paul, 2005, 585) كان رجال بارزون من الشافعية-الأشاعرة مثل الإمام موفق النيسابوري بلقب «جمال الإسلام» ورئيس شافعية نيسابور وسالار بوزگانان، من بين الأفراد الذين قدموا أكبر تعاون في مجال تأسيس النظام السياسي السلجوقي ضمن دائرة المستشارين والخدم المقربين للسلطان طغرل بك الحنفي المذهب (بيهقي، ١٣٧٤: ٨٨٤ وناصرخسرو، ب.