چکیده:
إذا اعتبرنا الحضارة مجموعة من المكونات التي تقوم على فكر أساسي وتنتظم في أطر وأنظمة متنوعة، فإن أصل هذا الفكر الأساسي في حضارة المسلمين السابقة كان التعاليم الوحيانية للإسلام، والتي ورد جوهرها المركزي في القرآن. وبهذا الشكل، كان القرآن هو الأساس المعرفي، ومنطق التركيب، والمحدد لكيفية العلاقة بين الأجزاء، والراسم للاتجاه الرئيسي لحضارة المسلمين. يمكن توثيق هذه النتيجة من خلال نظرة داخلية للقرآن وفحص تعاليمه الحضارية من جهة، ونظرة خارجية لواقع الحضارة الإسلامية وأدوار القرآن ووظائفه فيها من جهة أخرى. يتناول هذا المقال الموضوع الثاني، وهو الوظيفة الحضارية للقرآن، ويبحثه في محورين رئيسيين: تأثير القرآن على الروح العامة والتوجهات الحضارية الإسلامية، وتأثير القرآن على مكونات ومظاهر الحضارة الإسلامية. وفي المحور الثاني، تم بحث العلوم، والفنون، والمساحات المادية للبيئات المعيشية للمسلمين، والحياة الاجتماعية للمسلمين. والنتيجة هي أن ابتعاد التعاليم القرآنية عن ساحة المجتمع المسلم واقتصارها على الجوانب الفكرية غير المرتبطة بالاحتياجات الاجتماعية سيكون نقطة بداية ركود الحضارة الإسلامية، ولكن الوضع الحضاري الحالي للبشرية والتعقيد التاريخي في انتقال الحضارات، يهيئان الأرضية لعودة القرآن مرة أخرى إلى ساحة الحضارة وجعله محوراً في الحضارة الإسلامية الجديدة.
خلاصه ماشینی:
إذا كان القرآن هو السبب والموجد للحضارة الإسلامية السابقة، فيمكن القول إن نقطة بداية ركود الحضارة الإسلامية تعود أيضاً إلى تنحي التعاليم القرآنية عن المشهد الاجتماعي واقتصارها على مجال المسائل الفكرية غير المرتبطة بالاحتياجات الاجتماعية للمجتمع.
وأهم الأمثلة في هذا المجال هي: القراءة اليومية لآيات من القرآن، والتي كانت هي السبب أيضاً في تقسيم القرآن إلى أجزاء وأحزاب؛ واستخدام بعض الألفاظ والتعبيرات القرآنية الخاصة في المحادثات اليومية؛ مثل التعبير المجازي عن قراءة فاتحة شيء ما بمعنى زواله، وقراءة سورة الحمد لمغفرة الموتى، والأيمان (الحلف) الصحيحة وغير الصحيحة بالقرآن، وذكر كلام الله في المحادثات اليومية، وإبداء الاحترام الخاص لأولئك الذين يتعاملون مع القرآن، وذكر «بسم الله الرحمن الرحيم» في بداية كل عمل وخاصة عند الخروج من المنزل، وتناول الطعام وشرب الماء.
د) ظهور عادات وتقاليد خاصة: إن بعض العادات والطقوس الشائعة لدى المسلمين متأثرة بمكانة القرآن المستحقة من الاحترام والقدسية، حيث ربط المسلمون طقوسهم، كلياً أو جزئياً، بهذا الكتاب السماوي طلباً للبركة؛ وعلى سبيل المثال، يمكن ذكر الحالات التالية كنماذج لهذه العادات والتقاليد في ماضي وحاضر المجتمع الإسلامي: عدم لمس القرآن بدون وضوء، وضع القرآن كجزء من مهر النساء، حمل القرآن بجانب المرآة عند الانتقال إلى منزل جديد، إهداء القرآن في المناسبات المهمة، تمرير المسافر تحت القرآن في الرحلات المحفوفة بالمخاطر، قراءة القرآن بجانب المحتضر أو جثة المتوفى، رفع القرآن في مراسم ليالي القدر في مجالس أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ختم القرآن كطقس شعائري، وضع القرآن كلياً أو جزئياً داخل التمائم، والاعتقاد بخصائص بعض آيات القرآن، مثل قراءة الآية الثانية والستين من سورة النمل المباركة خمس أو عشر مرات لقضاء الحاجة، وقراءة الآية التاسعة من سورة الكهف المباركة للاختفاء عن أعين الأعداء الحاسدة، وقراءة سورة الحمد لشفاء المرضى، وقراءة الآيتين الحادية والخمسين والثانية والخمسين من سورة القلم المباركة للوقاية من أعين الحسد.