چکیده:
تعد رسالة المسائل الجارودية من الكنوز الثمينة للتراث الكلامي للشيخ مفيد (336 - 413 هـ. ق) ونموذجاً للاحتجاجات الكلامية للإمامية ضد الزيدية. لقد كتب الشيخ هذه الرسالة رداً على بعض شبهات الجاروديين حول الإمامة عند الشيعة الإثني عشرية، ومع مراعاته لأدب الاحتجاج، فإنه يتفاعل مع مخاطبيه من الجاروديين صعوداً وهبوطاً، ويحاول استقصاء كافة جوانب موضوع البحث والإجابة على جميع الاعتراضات المحتملة. ومن هذا المنطلق، وبالنظر إلى أسلوب الحوار في نص الرسالة، يمكن اعتبارها ـ مع التسامح ـ نوعاً من المناظرة المكتوبة. جوهر أبحاث الشيخ مفيد والجاروديين في هذه الرسالة يدور حول سبب حصر الإماميين للإمامة بعد الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ في نسل ذريته فقط، وعدم إقرارهم لتدفق الإمامة في الفرعين الحسني والحسيني كما يرى الجاروديون. وبمقتضى هذا البحث، وجدت مساحة لطرح مباحث مهمة وكبرى مثل صفات الإمام وشروط الإمامة، وكيفية النصوص الإمامية ودلالاتها، وتقييم سجل الحسنيين المدعين للإمامة في المسائل الجارودية. كما وردت أبحاث فرعية مثل كيفية دلالة حديث الثقلين والاحتجاج به... ضمن المباحث المذكورة آنفاً. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم مسار إجمالي وتحليلي في المسائل الجارودية.
خلاصه ماشینی:
جوهر أبحاث الشيخ المفيد والجاروديين في هذه الرسالة يدور حول سبب اعتبار الإمامية للإمامة بعد الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ مقتصرة فقط على ذريته، وعدم إجازة تدفق الإمامة في الفرعين الحسني والحسيني كما يرى الجاروديون.
وبهذا الشكل، امتنع هؤلاء منذ البداية عن مبايعة الخلفاء، وكانوا يعتقدون أن منصب الخلافة ليس أمراً يُردّ إلى الأمة، بل هو منصب إلهي فُوِّض لهذا العظيم في عصر النبي ـ صَلَّی اللّهُ عَلَیْهِ وَ آلِه ـ، ويتعين بعده بأمر الله ونص النبي على من يكون خلفاً له وخليفةً عنه، وقد عين النبي ـ صَلَّی اللّهُ عَلَیْهِ وَ آلِه ـ أيضاً من يتولى مهام هذا المقام الخطير من بعده، وصرح بإمامة إمام من بعده، وهو أمير المؤمنين علي ـ عليه السّلام ـ.
وبسبب عدم اعتقادهم بإمامة حضرت السجاد (علي بن الحسين) ـ عليه السّلام ـ فإن هذا من الممكن أن بعض النصوص التي يروونها تتضمن إشارة إلى إمامة ذلك الحضر، من نوع النص الخفي الذي يتمسكون به.
<بدأ حضور ونشاط الحسنيين في مقام قيادة الزيدية ـ التي كانت في بدايتها حركة سياسية وعسكرية ولم تكن لها وجاهة كلامية وفقهية بارزة ـ، مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ـ عليهما السلام ـ الملقب بـ «النفس الزكية»، الذي ثار سنة 145 هـ في عصر المنصور، ثاني الخلفاء العباسيين، في المدينة، وكان أبناؤه وإخوته يسعون في مختلف البلاد للدعوة إلى قيادته، وبعد مقتله والنزاعات التي نشبت بين الخلافة العباسية ودعاة قيادته، ثار مجموعة من الزيدية الذين كانوا في غالبيتهم من نسل الإمام الحسن ـ عليه السّلام ـ.