چکیده:
يعد الجبر والاختيار من المسائل الكلامية الإسلامية المعقدة، وقد أدت تصورات المسلمين المختلفة لآيات القرآن والأحاديث النبوية (ص) إلى مذاهب فكرية عديدة، منها الجهمية، والأشاعرة، والمعتزلة، والإمامية، وغيرها. وقد اعتقدت المذاهب الكلامية الإسلامية، استناداً إلى الأدلة العقلية والنقلية، إما بالجبر المطلق، أو بالاختيار المحض، أو بمزيج من الاثنين، أو بأمر بين الأمرين. وبالطبع، نظر مولوي إلى هذه المسألة من جوانب مختلفة ومتعددة، بصفته إنساناً جامعاً عالماً ومتبحراً في جميع العلوم الإسلامية. ومن خلال إثبات العجز الذاتي للفلسفة في الإجابة على هذا اللغز، يسعى مولوي من منظور عارف شهودي - وهو بمعنى أنثروبولوجي ونفسي - إلى الحفاظ على القدرة الإلهية المطلقة دون التضحية باختيار الإنسان قرباناً للجبر، وبطريقة ما يقوم بتلطيف وتعديل ذلك الجبر المنبوذ والمستلب للاختيار عند الجهمية والأشاعرة، ومن خلال طرح مسألة "العشق"، يضع حداً لثنائية الجبر والاختيار.
خلاصه ماشینی:
رأى نملةً على ورقٍ فخالته قلماً فقالت لنملةٍ أخرى: هذا السرُّ ذاته أنَّ عجائب النقوش صنعَ تلك الحيلة كمثل الريحان والسنبل والورد قالت تلك النملة: ذاك إصبعُ الصانع وهذا القلم في الفعل فرعٌ وأثر قالت النملة الثالثة: بل من ساعده الذي نقش بالإصبع النحيل من قوته وظل يصعد هكذا حتى جاءت نملةٌ حكيمةٌ فطنةٌ قليلاً فقالت: ألا ترون هذا الفن في الصورة الذي يغدو غافلاً بالنوم والموت إنما تأتي الصور كالثياب والعصا ولا تتحرك النقوش إلا بالعقل والروح (مولوی 1368/4/3721-3727) ثم يستنتج: كان غافلاً، ذاك الذي لولاه لكان العقل والفؤاد بدون تقلب الله جماداً ففي لحظةٍ تنبثق منه العناية ويجعل العقل الذكيُّ الأغبياءَ عقلاء (همان/4/3728-3729) الجبر التكويني يستذكر مولانا معتقدات المنجمين الذين كانوا يرون الأفلاك مؤثرة في تحديد مصير الإنسان، فهو يؤمن بأن الإنسان مجبور ومقهور حتى من قِبل القوى الطبيعية: طالعُ مَن كان المشتري له يغدو سعيداً بالبهجة والسرور ومن كان طالعه زحل، فمن كل شرٍّ يجب عليه الحذر في الأمور إن قلتُ إن زحل هو النجم فسيحرق بناره ذلك المسكين (همان/2/1712-1714) وفي الدفتر الأول يقول في نفس المعنى: كل من له صلة بنجمٍ فله مع نجمه وحدةٌ واتصال إن كان طالعه الزهرة في طربٍ فله ميلٌ كلي وعشقٌ وطلب وإن كان مريخياً سفّاكاً للدماء فإنه ينشد الحرب والبهتان والخصومة (همان/1/751-753) مواجهة مولانا للمجبريين إلحاقاً بهذه الأبيات، يرى مولانا أن جبر أولئك الذين ينكرون الحس هو نوع من السفسطة التي هي في ميزانه أسوأ من القدرية؛ لأن القدري (المجبر) ينكر الحس لا يفعل، وهذا الإثبات للحس هو نوع من إثبات الحق؛ لأن من ينكر فعل الله، في الواقع وبما أن فعل الله ليس حسياً، فإن إنكاره دليل على إثبات الله.