چکیده:
يعد الخروج عن المعيار أحد الأساليب المطروحة في نظريات النقد الشكلانية الروسية، ويمكن تعريفه ببساطة بأنه الخروج عن اللغة المعتادة والمعيارية. إن استخدام هذه الحيلة البيانية يؤدي إلى خلق الجمال والديناميكية في الكلام، وفي النهاية يسبب اهتماماً مضاعفاً من القارئ بالنص. الشعراء المهرة، بالإضافة إلى سعيهم نحو مفاهيم ومعانٍ جديدة، يولون اهتماماً خاصاً لبنية ولغة شعرهم، حتى يتمكنوا من استعراض قدراتهم البيانية أمام المتلقي من خلال الابتعاد عن اللغة المعتادة، مع إيمانهم بأن الأفكار الجديدة، وإن كانت قابلة للقول والاستيعاب في قالب اللغة المعتادة والمعيارية، إلا أن غبار العادة قد يترسب على المفردات والتعبيرات والصور والبنية الشعرية، مما يقلل من انتباه القارئ للنص. لقد اتجه الشعراء العرب المعاصرون الرواد مع تيار التجديد نحو الابتكار في المفاهيم واللغة الشعرية، ومن بينهم صلاح عبد الصبور (1931-1981م)، الشاعر المصري المعاصر. هذا الشاعر، بالإضافة إلى تميزه في مجال المفهوم الشعري، قد جذب أيضاً انتباه النقاد الأدبيين في مجال اللغة والبيان الشعري. ويجب القول بالبحث أنه قد حاول تجنب عملية التلقائية في اللغة الشعرية وعدم تكرار لغة السابقين، وذلك من خلال هذا المسار للمساعدة في جعل الكلام فنياً وزيادة تأثيره على القارئ، وتقديم شعر تكون فيه البروز اللغوي والتأثير هما السمة الأساسية. لذا، فإن استخدام الشاعر لأسلوب الخروج عن المعيار قد ضاعف من البعد الجمالي للنص.
خلاصه ماشینی:
وثانيهما أن الخروج عن المعيار له معنى أوسع أيضاً، حيث يشمل جميع الحيل والتقنيات التي يستفيد منها الشاعر بوعي لجعل عالم النص غريباً في أعين المتلقين، ومن خلال هذه الحيلة الفنية والمفاهيم والمفردات وأسلوب التعبير غير المألوف، يجعل إدراك الدلالات المعنوية للنص صعباً، ويظهر الموضوع بطريقة تجعله يبدو وكأنه لم يكن موجوداً من قبل (أحمدي، 1370: 48).
لا تعنو له جبهة و تعنو جبهة الإنسان/ أحدثکم -بداية ما أحدثکم- عن الحب (المصدر نفسه، 161) ولا يفوتنا القول إن هذا النوع من التكسير البنيوي النحوي، رغم أنه مخالف للمعيار، له نماذج أحياناً في الشعر العربي القديم؛ مثل قول «الأعشى»: کميت يری دون قعر الإنی کمثل قذی العين يقذي بها (الأعشى، 1980م: 55) الخروج عن المعيار الإسنادي: في الخروج عن المعيار الإسنادي، يقوم الشاعر من أجل التعبير عن أفكاره الجديدة بخلخلة العلاقات العادية بين الجمل، ويميل نوعاً ما إلى «الإسناد إلى غير ما هو له»، وهو ما يسميه أهل البلاغة «المجاز العقلي» أو «المجاز الإسنادي» (التفتازاني، 1416ق: 38) وذلك لزيادة قدرة اللغة وخلق فضاء جديد في شعره؛ فعلى سبيل المثال قال عبد الصبور في موضع ما: و هکذا مات النهار/ و مال جنب الشمس، و استدار/ ثم تساقط المساء فوقنا،/ مثل جدار خرب، و انهار (1986م: 302) المعتاد هو أن الموت يُستخدم للكائنات الحية؛ لكن عبد الصبور، لزيادة تأثير شعره، ذكر «النهار» ككائن حي ونسب إليه الموت.