چکیده:
الإنسان في الحياة الاجتماعية مضطر للتفاعل والتعامل مع الآخرين، وحياته مصحوبة بالاصطدامات والتناقضات؛ لأنه يواجه أنواعاً مختلفة من الأذواق، وجهات النظر، والآراء، والسلوكيات المتعارضة التي تخرج أحياناً عن إطار القوانين الإلهية والاجتماعية، مما يؤدي إلى أخطاء ناتجة إما عن الجهل وعدم الدراية، أو عن العناد والعداء. وفي هذا السياق، يتخذ الإنسان المؤمن، وفقاً لتعاليم مدرسة الإسلام البانية للإنسان، مسلك الصبر والتسامح عند مواجهة هذه التجاوزات، ويتبع القادة الدينيين في اعتماد أساليب العفو والحلم وتجاهل الخطأ. (التغابن/14) إذا غضب بسبب أذى أو فعل أو قول، فإنه يسعى لكظم غيظه (آل عمران/24)، ويصفح أثناء الغضب ويطلب المغفرة (الشورى/37). ولكن، ما معنى هذه السمة الأخلاقية الخاصة بالمؤمنين وهي العفو؟ وما الفرق بينها وبين الصفح والغفران؟ وما هو تأثيرها في الحياة الفردية والاجتماعية؟ نحن في هذا البحث، وباستخدام الآيات والروايات والرجوع إلى الشروح والتفاسير وكذلك كتب الأخلاق، قمنا بدراسة الفضائل الأخلاقية الثلاث: العفو، والغفران، والصفح، وتناولنا الفروقات بين هذه الفضائل الثلاث، وكيفية تعزيز هذه الفضائل الأخلاقية، ومراتب العفو، وآثاره ونتائجه في الحياة.
خلاصه ماشینی:
«عفوت عنه قصدت ازالة ذنبه صارفا عنه، فالعفو هو التجافی عن الذنب» وقد ذُكرت معانٍ أخرى للعفو، ومن ذلك ما ذكره آية الله مكارم في "تفسير نمونه" حيث يقول: «العفو يأتي أحياناً بمعنى المقدار الزائد من الشيء، وأحياناً بمعنى الحد الوسط والمتوسط، وأحياناً بمعنى قبول عذر المخطئ والعفو عنه، وأحياناً بمعنى التيسير في الأمور»؛ لكن راغب في "المفردات" لا يرى هذا المعنى هو الأصل، ويعتقد أن العفو يعني قصد شيء ما، وبناءً على ذلك أُطلقت هذه الكلمة على هبوب الرياح التي تؤدي إلى الدمار وأخذ شيء ما.
كما ذُكر سابقاً، العفو يعني التجاوز عن الذنب وترك العقوبة والجزاء، وأصله وجذره يعني المحو والإزالة، أما المغفرة فهي بمعنى الستر؛ وقد ذُكر هذان المفهومان مكرراً جنباً إلى جنب في آيات القرآن: «وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» (آل عمران/ 155)، «فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا» (نساء/ 99)، لذا وفقاً لقول العلامة الطباطبائي، يمكن اعتبار الغفران فرعاً على العفو ومرحلة تالية للعفو تختص بالله تعالى.
(القلم/ 4) البشر العاديون، مهما بلغ تجاوزهم عن أخطاء الآخرين، فإنهم في ذاكرتهم لا شعورياً يشعرون بالزهو والغرور بتجاوزهم هذا، أو يتذكرون خطأ وجرم وجهل الأشخاص الذين أساءوا إليهم، أو في أقصى الحالات يمكنهم محو ذلك الإحسان والفضل من ذاكرتهم هم، ولكن هل يمكنهم -بالإضافة إلى التجاوز عن أخطاء الآخرين بوجه بشوش ومبتسم- أن يمحوا الخطأ والجرم من خاطر الشخص المخطئ أيضاً؟ في هذا الصدد، يشرح الأستاذ العلامة آية الله جوادي آملي هذه الفضيلة في شرح وتفسير دعاء أبي حمزة على النحو التالي: الشخص الذي عفا، يقلب صفحات الذكريات بطريقة تجعله لا يتذكر أصلاً أنه فعل ذلك...