چکیده:
بالنظر إلى أهمية بحث المسؤولية الجزائية، فإن موضوع مسؤولية الجاهل بالحكم يعد من الموضوعات المهمة والأساسية. لذا، فإن حدود المسؤولية الجزائية للفرد الجاهل بالحكم تعتبر مسألة مهمة ومؤثرة في العلاقات بين الأشخاص. ومن هذا المنطلق، تم تقديم آراء مختلفة حول هذا الموضوع. لا ينبغي اعتبار الفرد الجاهل بالحكم مسؤولاً بشكل مطلق؛ بل يجب، بناءً على الأصول والقواعد العقلية والشرعية المسلم بها، وضع معايير معينة لرفع المسؤولية عن الشخص الجاهل، وتعديل قاعدة «الجهل بالقانون لا يرفع المسؤولية». هدف هذا المقال هو تبيان مكانة الجهل بالحكم وتأثيره على المسؤولية الجزائية في آراء فقهاء الإمامية. وتظهر نتائج الدراسات أنه من وجهة النظر الإسلامية، تُطبق قاعدة «الجهل بالحكم يرفع المسؤولية الجزائية، ما لم يكن الجاهل مقصراً أو منتبهاً».
خلاصه ماشینی:
أسئلة مثل: هل قاعدة "الجهل بالقانون ليس رافعاً للمسؤولية" هي قاعدة مطلقة وعامة؟ هل العلم بالحكم شرط لتحميل العقوبة؟ هل العمل الإجرامي قابل للنسبة إلى شخص كان يتصور ارتكاب عمل مشروع؟ هل عقاب المجرم الذي ارتكب جريمة عن جهل يحمل فائدة عقلائية؟ وغيرها من الأسئلة من هذا القبيل، نجد لها إجابة مناسبة؛ لأنه إذا تمت دراسة مسألة الجهل بشكل جذري في كلام الفقه الإسلامي، فإنه يمكن للمشرع عند تدوين القوانين المتأثرة بالقانون الجنائي الإسلامي أن يتخذ قراراً صحيحاً رغم الوضع الحالي.
كما وردت روايات متنوعة تدل على المطلب المذكور أعلاه الذي يشير إلى البيان الواصل، وعلى سبيل المثال: يقول محمد بن مسلم: سألت الإمام الباقر (ع): دعونا رجلاً إلى الإسلام فأسلم، ثم كان يشرب الخمر ويزني ويأكل الربا ولم يكن قد بُيِّن له شيء من الحلال والحرام، فهل يُقام عليه الحد رغم جهله؟ فقال الإمام (ع): لا، إلا إذا أُتي بالبينة أنه أقر بتحريمها (عاملي، بدون تاريخ، ص ٣٢٤).
كما يقول المرحوم السيد محمد طباطبائي: «فالصواب هو أن نضع هذا الدليل على النحو التالي: أنه إذا لم يصل الحكم إلى المكلف فلا يوجد عقاب، بسبب قبح التكليف والعقاب، كما أن جمعاً من أصحاب العقول لديهم أيضاً اتفاق نظر على هذه المسألة» (طباطبائي، بدون تاريخ، ص ٥١٨).
إذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن لقاعدة الاشتراك أن تكون دليلاً على عدم تأثير الجهل في المسؤولية الجنائية؟ في الجواب يمكن القول إنه على الرغم من أن العلم شرط لتنجيز التكليف، إلا أن المعيار في ذلك ليس العلم الحقيقي، بل المناط فيه هو إمكانية تحصيل العلم؛ أي أن كل شخص تتوفر له إمكانية تعلم الأحكام يكون في حكم العالم، ويكون التكليف منجزاً في حقه (أبو زهرة، بيتا، ص ٥٣٢).