چکیده:
من بين المباحث التي أولاها الشيخ الرئيس اهتماماً، المعاد وحالاته الأخروية. فبعد أن تناول في حكمته البحث الجدلي حول اللذة والألم، سعى بعد ذلك إلى إفهام المتألهين والمتدينين لذة وألم الآخرة أيضاً. يرى الشيخ الرئيس في آثاره، بعد إثبات وجود النفس وبقاء الجانب النفساني، أن القوى الإنسانية المتنوعة تفنى بالموت، لكنه يتمسك بهذا الاعتقاد الفلسفي بأن القوة العقلانية وحدها هي التي لا تفنى بموت الإنسان، بل تهرع إلى الدار الباقية. ومن خلال تقسيمات متنوعة وواسعة، كان يقسم النفوس البشرية إلى فئات مختلفة لتوضيح مكانتها الأخروية. وفي الحكمة السينوية، بعد أن استقر إثبات شمولية وسواد السعادة الأخروية، اعتُبرت لذة وآلام النفوس أيضاً عقلية. ومن وجهة نظر الشيخ الرئيس، فإن الثواب، الأفراح، اللذات والآلام في العالم الآخر هي عقلية تماماً، وما ورد في النصوص الوحيانية من وعود ووعيد أخروي ليس سوى عبارات استعارية وكنائية. وهو فقط للنفوس الناقصة، مكانة
خلاصه ماشینی:
إن الشيخ الرئيس في آثاره، وبعد إثبات وجود النفس وبقاء الجانب النفساني، كان يرى القوى الإنسانية المتنوعة فانية بالموت، إلا أنه كان يتمسك بهذا الاعتقاد الفلسفي بأن القوة العقلانية وحدها هي التي لا تفنى بموت الإنسان، بل تهرع إلى الدار الباقية.
هل اللذة والألم في الأصل جسمانيان أم روحانيان؟ هل نحتاج إلى الجانب المادي والجسماني للبدن لنيل اللذة والألم، أم أن وجود البعد النفساني كافٍ لتحقيق تلك العملية؟ هل قبول الجسمانية في الدار الآخرة يعود إلى فرضية دينية مسبقة أم أن في عملية اللذة والألم بالمعنى الفلسفي، هل هي محتاجة إليها؟ هل السعادة في الدار الباقية تستلزم اللذة أم أن هذا الاستلزام ليس حتمياً؟ وهل كما هو الحال في العالم المادي، حيث لا تعني الآلام والأوجاع الشقاء والبؤس، فإنه في الآخرة أيضاً لا توجد علاقة استلزام بين الشقاء والألم؟ إذا أراد فرد مؤمن أن يعيش في سعادة ولذة في الدار الخالدة، فهل المعرفة هي السبيل الموصل لذلك أم أن الأعمال والتكاليف الدينية المعينة هي المسببة لها؟ وإذا لم يستطع فرد ما، لأي سبب كان، إيجاد طريق إلى السعادة الأخروية، فهل يوجد له أمل في الخلاص والتحرر من عذابات النار أم لا؟ كانت مثل هذه التساؤلات معضلات تتحدى أذهان المسلمين، إذ يجب على الفرد المؤمن أن يتمكن من إقامة رابط مقبول بين الآيات والعبارات الوحيانية وبين الاستدلالات العقلانية، وإلا فإنه سيضحي بأحدهما لصالح الآخر.
» لا حاجة لتوضيح أن نظرة ابن سينا إلى اللذة والألم الأخروي هي نظرة خاصة، لأنه لا يعتبر لذات وآلام القيامة من جنس اللذائذ والآلام الحسية التي لها جانب حيواني، بل يرى نوعيتها أجلّ من هذا النوع الظاهري.