چکیده:
تعد مسألة الخوف من الموت واحدة من أهم الشواغل البشرية. ولعلاج هذا الخوف، قام المفكرون من مختلف المجالات بوضع نظريات. وبناءً على التفكير الفلسفي، فإن الخوف من الموت يضرب بجذوره في نوع نظرة البشر إلى حقيقة الموت. ولهذا السبب، ومن أجل القضاء على هذا الخوف، يجب العمل على تصحيح النظرة تجاه الموت. لقد كان الموت، كواقع ضروري ولا يمكن إنكاره، موضوعاً للدراسة والتحليل في المدارس الفلسفية المختلفة، وكل مدرسة من هذه المدارس تحكم على هذه المسألة الضرورية بناءً على فهمها وإدراكها لحقيقة الإنسان. يرى الفكر المادي أن كيان الإنسان بأكمله محدود في الجسد، ويعتبر الموت فناءً ونهاية للحياة؛ لذا فإن الخوف من الموت في هذه المدرسة يعادل الخوف من الزوال والفناء. أما في الفكر الإلهي، فإن حقيقة الإنسان هي حقيقة متعالية وروحانية غير جسده، والجسد بمثابة أداة له. وفي نظر هذه المجموعة، الموت هو انقطاع ارتباط الروح بالبدن، وبالتالي فإن وقوع الخوف من الموت هو نتيجة للجهل بهذه الحقيقة. ويؤيد ابن سينا وملا صدرا النظرية الثانية بناءً على تفكيرهما الفلسفي، ورغم أن كلاً منهما طرح عوامل متعددة لهذا الخوف تماشياً مع أسسهما الفلسفية، إلا أنهما في النهاية يعلنان أن السبب الرئيسي لهذا الخوف هو جهل البشر بحقيقة الموت والأحداث التي تليها.
خلاصه ماشینی:
أما صدرا، فبناءً على أسسه الفلسفية مثل أصالة الوجود، وتشكيك الوجود، والحركة الجوهرية، وفي سياق تقديم نظرية كون النفس الإنسانية «جسمانية الحدوث»، يتناول بالتفصيل تحولات الإنسان خلال حياته الدنيوية وكيفية وقوع ظاهرة الموت وأسبابها ومنشأها، ويتحدث تحت هذا الموضوع عن خوف البشر وكراهيتهم للموت.
بينما يقوم ابن سينا، من أجل إزالة مثل هذا الخوف، بالقضاء على سببه وهو الجهل بحقيقة الموت، ويوضح أن حقيقة الإنسان ليست جسمه، بل هي جوهر روحاني غير فانٍ يسمى النفس أو الروح، والذي مع وقوع الموت -الذي ليس سوى قطع ارتباط النفس بالبدن- يبقى هذا الجوهر ويستمر في حياته.
وبناءً على ذلك، فإن الموت الذي هو عبارة عن مفارقة النفس للبدن، لا ألم فيه؛ لأن البدن لا يشعر بالألم والمعاناة إلا بسبب النفس وحصول أثرها فيه؛ وفي هذه اللحظة يصبح البدن جسماً بلا تأثير للنفس، وبالتالي لا يكون له حس ولا ألم...
ورغم أن صدرا يسعى لبيان أدلة وتفسيرات فلسفية مختلفة للخوف من الموت، إلا أنه في النهاية لا يرى حلاً للتغلب على هذا الخوف سوى شيء واحد، وهو إزالة الجهل واكتساب العلم والمعرفة بحقيقة وجود الإنسان والعلاقة بين مرحلتي حياته في الدنيا والآخرة.
وفي الواقع، مع ارتفاع مستوى علم البشر ووعيهم بحقيقة الإنسان، وعلاقة النفس بالبدن، ودور الحياة الدنيا في تكامل النفس، وحقيقة الموت ومراحله ومواقفه بعد الموت، يمكن التغلب على هذا الخوف.
بينما يرى صدرا أولاً- أن الموت أمر لا مفر منه وطبيعي بل وضروري، ومن خلال هذه النظرة لا يعتبر هذا الخوف مذموماً فحسب، بل يرى أن درجة منه ضرورية للحفاظ على سلامة الجسم؛ وثانياً- فيما يتعلق بالدرجات المرضية للخوف من الموت، فإن مقترحه هو توعية البشر بحقيقة الإنسان والموت.