چکیده:
حتى لو لم نعتبر التجربة الدينية من نوع التجربة العرفانية، فإن العرفان يظل مشابهاً للدين من حيث امتلاكه أبعاداً متعددة. وأحد أبعاد العرفان ــ إلى جانب البعد الشعائري، والبعد العقدي، والبعد المؤسساتي و... ــ هو بعده الأخلاقي. كما أنه مثل الدين، فإن هذا البعد من العرفان ــ مثل غيره من الأبعاد ــ يحتوي على اختلافات في العرفانات المختلفة. تتناول هذه الكتابة، من خلال قبول وجود شيء يسمى «العرفان المسيحي»، الدراسة التاريخية لبعده الأخلاقي وتعدد التقاليد الأخلاقية الناشئة فيه.
خلاصه ماشینی:
ومع أن هذا البحث يتناول في المقام الأول العلاقات بين الفلسفة الغربية والتقاليد العرفانية المسيحية المختلفة، إلا أنه لا يفترض أي نظرية خاصة فيما يتعلق بماهية العارفين، أو تجربتهم، أو موضوع تلك التجربة عند استخدام [لفظة] «العرفان».
ومن هذا المنظور، فإن وظيفة الأخلاق هي إرساء نظام في الفرد والمجتمع، متمحوراً حول الحياة الفاضلة للإنسان الحكيم.
وفي الحركة الإصلاحية السيسترسية[4] في القرن الثاني عشر، أدى هذا التقليد إلى ظهور مجموعة غنية من الآثار التي تربط العشق العرفاني بـ _______________________________ [1].
أُطلق هذا الاسم على مؤلف مجموعة من المؤلفات اللاهوتية؛ وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كان الاعتقاد السائد هو أن مؤلف هذه الآثار هو نفسه القديس ديونيسيوس الأريوباغيتي الذي اعتنق المسيحية على يد بولس الرسول؛ ولكن تبين أن هذه الآثار (باللغة اليونانية) كُتبت في أواخر القرن الخامس أو أوائل القرن السادس، ويُسمى مؤلفها اليوم بديونيسيوس الكاذب.
اختلطت أنواع من هذه النزعات في عرفان أواخر العصور الوسطى، لا سيما في ألمانيا حيث ظهر تقليد عرفاني غني في راينلاند[3]، امتد من اللاهوت العرفاني لمايستر إيكهارت، الذي كان تابعاً لتقليد ديونيسيوس الفالغ، وصولاً إلى الزهد النفسي لهينريش سوزو[4] (1295-1366)، ودخل في حركة الإصلاح الأولى.
وبذلك، أصبحت مرجعية التجربة العرفانية في الحياة العملية مسألة حيوية في العلاقة بين الأخلاق وجميع أنواع العرفان.
في القرن العشرين، كان النموذج الملهم للمقاربات الفلسفية الإنجليزية - الأمريكية لهذه المسألة هو كتاب [أنواع التجربة الدينية] (1902) لويليام جيمس[3] (1842 ـ 1910)؛ وللأسف، فإن نتيجة جيمس القائمة على أن التجربة العرفانية مبررة فقط للعارف نفسه من الناحية المعرفية، قد كررت هذه المسألة دون حلها.
ذلك لأنه لا يوجد إشارة إلى كيفية دخول هذه التجربة، كما يُدعى أنها مرجع، في الحياة الأخلاقية للعارف ومجتمعه.