چکیده:
إن آراء ونظريات البيروني السياسية والاجتماعية يمكن تأملها من منظورين: أولاً، هو ينتمي إلى التراث والهوية الحضارية الإسلامية-الإيرانية؛ ثانياً، منهجه البحثي تجريبي وعلمي، وبالتالي فهو عالم إسلامي وليس فيلسوفاً إسلامياً. بناءً على ذلك، فإن نقطة انطلاق فكره السياسي هي «النماذج» و«الأمثلة» و«القوانين» الطبيعية، أي أنه ينتقل من المجتمع الطبيعي إلى المجتمع المدني، وفي النهاية فإن نموذج المدينة الفاضلة لديه هو من نوع المجتمع السياسي الديني؛ وبعبارة أخرى، من منظوره فإن طبيعة الحياة الإنسانية عقلانية وإرادية، ولذلك فإن تحفيز وحركة المجتمع الإنساني في قوس صعوده من «الحب والبغض» إلى «الرجاء والخوف» وفي النهاية نحو «الرضا والتسليم»، يصل إلى الكمال، وفي ضوئه تتحقق «الحكومة الفاضلة الموجهة بالعقل الوحياني» في مقابل «الحكومة الفاسقة الموجهة بالجهل».
خلاصه ماشینی:
ضرورة ومنشأ المجتمع المدني يستخدم البيروني لإثبات المجتمع المدني مصطلح «الاستئناس»13 وفي بعض الحالات كلمة «التعارض»14 وأحياناً يشير إلى احتياجات الإنسان15؛ وبناءً على ذلك، فإن فلسفة الطبيعة الاجتماعية للإنسان من وجهة نظره تقوم على عدة أصول مهمة: أ) أصل الاستئناس والتجانس: من خلال هذا الأصل يقترب من الجذر اللغوي للإنسان المشتق من «الأنس»؛ بمعنى أن حياة الإنسان لا تكتمل إلا عن طريق الأنس والتعاون مع الآخرين؛ ومن هذا المنطلق، وبالنظر إلى مقدمة كتاب الجماهر في الجواهر، فإن التجانس هو عامل تأسيس المجتمع: إن أساس المجتمع في نظر البيروني يقوم على مبدأ التجانس والتشابه، ويقدم أمثلة في هذا الباب؛ حيث يقول مثلاً إن حتى الطيور تطير مع أشباهها، وأن لغة الخرس مع بعضهم البعض كبيرة جداً لدرجة أنهم عندما يلتقون، يعتبرون جميع الناس الآخرين الذين لا يستطيعون التحدث معهم خُرساً؛ فكلما صادفوا شخصاً أبكم يشبههم، يصلون إلى طمأنينة كبيرة وينغمسون بكل كيانهم في إقامة التفاهم والتواصل فيما بينهم.
وإذا نظرنا أيضاً إلى بحث الوجود (الأنطولوجيا) عند البيروني، فإن أهم كلمة مفتاحية في مجال النظام الاجتماعي هي «العقل المطلق»؛ ومن هذا المنطلق، ربما يمكن استنباط أن الدولة المثالية والمرغوبة عند أبي الريحان هي «دولة العقل»، التي يسعى فيها الشرفاء والنخب الثقافية لتأسيس المدينة الفاضلة وإرساء العدالة في المجتمع.
عوامل مشروعية الدولة تعود المشروعية بمعنى الحقانية والمقبولية من وجهة نظر البيروني إلى عنصرين مهمين: أحدهما «العقل» والآخر «الدين»، وبالطبع يُقصد بالعقل هنا المعنى العام، أي أنه كما أن العقل في كيان الإنسان هو المنسق والموازن للقوى المتضادة، فإن العقل في المجتمع أيضاً هو المتكفل بالعدالة الاجتماعية ؛ لذا فإن أول وأهم عنصر في مشروعية الحكم هو العدالة، ولكن يطرح هنا سؤال: ما هي العدالة وما هو مؤشرها ومعيارها؟ وللإجابة على هذا السؤال، ننتقل إلى العامل الثاني لمشروعية الدولة، أي التعاليم الدينية التي تُعد المفسر الحقيقي للعدالة الفردية والاجتماعية.