چکیده:
استقصاء حول المضامين العرفانية والأخلاقية في التراث الشفهي والمكتوب للمسيحية، وتحديداً المذهب الأرثوذكسي، هو بحث يستلزم القيام به على كلا المستويين: صياغة جميع المضامين وتحليلها واحداً تلو الآخر، في إطار دراسات مقارنة مع الإسلام، وتحديداً المذهب الشيعي؛ لأنه وفقاً لقول ماكس مولر: «من يعرف ديناً واحداً، لا يعرف شيئاً عن ذلك الدين». في هذا المقال، ومن خلال السؤال: «ما هي مكانة التوبة بين المضامين الأخلاقية والعرفانية للمسيحية الأرثوذكسية؟»، يتم البحث في الفيلوكاليا، التي تعد المجموعة الأكثر موثوقية في العرفان العملي للمسيحية الأرثوذكسية. هذا البحث، الذي أُجري بمنهج تاريخي-هرمنيوطيقي مع تحليل محتوى نوعي، يهدف إلى إثبات حقيقة أن مفهوم التوبة قد طُرح تاريخياً منذ أقدم العصور، ومن الناحية الهرمنيوطيقية، يعود أساس هذا الاعتقاد بشكل أساسي إلى تفسيرات الكتاب المقدس (بعهديه الجديد والقديم). يظهر هذا البحث أن التوبة ليست مجرد عمل إنساني وسعي فردي بناءً على الأوامر الدينية، بل إن الإقدام على التوبة هو هبة وتوفيق إلهي؛ ومن هذا المنطلق، لا تُعتبر التوبة عاملاً للسير والسلوك، بل تُعد هدفاً للسير والسلوك الأخلاقي والعرفاني.
خلاصه ماشینی:
يبدو هذا النوع من النظر إلى الخطيئة متناقضاً في البداية، حيث يصف الخطيئة -التي يجب تجنبها دائماً- بأنها أمر يبعث على الحياة بسبب انتهائه بالتوبة؛ ولكن مع فحص الأبعاد الأخرى للتوبة يتضح أنه لا يوجد تعارض، لأن التوبة في حد ذاتها هي موهبة ونعمة إلهية، بمعنى أن الشخص الذي يخطئ لا يمكنه أبداً أن يكون متأكداً مما إذا كان سيجد الفرصة أو بتعبير آخر التوفيق للتوبة بعد ارتكاب الخطيئة، وبالتالي سيُحيى مرة أخرى ويقترب من الله.
ومن هذا المنطلق، فإن رحمة الله تكمن في هذه الآلام غير المتوقعة (ibid: 136)؛ لأنه تماماً كما يحتاج المريض إلى الجراحة وفي النهاية إلى الكي (بالنار) للعلاج، فإن الإنسان الخاطئ يحتاج أيضاً إلى الآلام (Trials)، ومشقات التوبة (Toils of repentance)، والخوف من الموت والخوف من العقاب، لكي يتمكن من استعادة الصحة السابقة لنفسه (St Peter of Damaskos, Philokalia: 3/77-8).
في الواقع، التوبة هي اختيار لرنج إرادي في مقابل الآلام غير الاختيارية؛ أي المصائب والشدائد التي تُفرض على الإنسان من قبل الله خارج إرادته لكي تجذبه إلى التوبة بعد أن تلوثت بالخطيئة، وبذلك تنقذه من العقاب الأبدي (St Mark The Ascetic, Philokalia: 1/125-26).
وفي الحقيقة، فإنه إلى جانب الله الذي يفرض الآلام غير الاختيارية على الإنسان، فإن الإنسان يهيئ لنفسه رنج التوبة الاختياري لكي يقضي على أرضية الخطيئة؛ لأن الآلام والمشقات تقضي على اللذة الجسدية، وبما أن جميع الخطايا تُرتكب من أجل الوصول إلى هذه اللذة الجسدية، فإن الرنج في الحقيقة يدمر أرضية الخطيئة (St Maximos The Confessor, Philokalia: 2/72).