چکیده:
آقا علي مدرس طهراني (1234-1307 هـ.ق) من أكبر فلاسفة الحكمة المتعالية، بالإضافة إلى تعميق الأسس الصدرائية في باب أصالة الوجود، فقد طرح نقاطاً جديدة سواء من حيث التصور أو من الناحية البرهانية في هذا الباب. إن استخراج وتحليل هذه الابتكارات نقدياً ومقارنتها بآراء صدر المتألهين وغيره من الحكماء المتعاليين هو موضوع بحث هذا المقال. يرى الحكيم المؤسس، على خلاف الحكماء المتعاليين الآخرين، أن الاختلاف في مسألة أصالة الوجود يكمن في موضعين وليس موضعاً واحداً. الموضع الأول: هل مفهوم الوجود بدون اعتبار العقل وبدون الإضافة إلى الماهيات المختلفة له أفراد واقعية أم لا؟ الموضوع الثاني: هل الفرد الواقعي للوجود، بدون انضمام الحيثية التقييدية، أي أولاً وبالذات، هو مصداق ومحكي عن مفهوم الوجود أم لا؟ النزاع بين القائلين بأصالة الوجود وأنصار أصالة الماهية ليس نزاعاً لفظياً. علاوة على ذلك، ومع التحرير الصحيح لمحل النزاع، فإن مسألة أصالة الوجود ضرورية أو قريبة من الضرورة. ومع ذلك، فقد أقام ما لا يقل عن أربعة براهين جديدة على أصالة الوجود، أهمها: 1. المفهوم والماهية في مرتبة الذات ليسا طارداً للعدم؛ فإذا كانت ماهية ما تطرد العدم في الخارج أو في الذهن، فإن هذا الطرد ليس بالذات، بل بالعرض وبالتبع. والعقلاء ينتهون من 'ما بالعرض' إلى 'ما بالذات'. وهذا 'ما بالذات' ليس عدماً، لأن العدم بالذات ليس طارداً للعدم. وما هو طارد للعدم بالذات ليس شيئاً سوى الوجود. وقد وصف هذا البرهان في 'بدائع الحكم' بأنه «محكم البنيان». 2. الحمل العرضي بالعرض للمفاهيم الثبوتية بما هي ثبوتية على الماهية في حالتين يعد دليلاً على أصالة الوجود: أولاً: المفاهيم الخارجة عن ذات الماهية التي يكون صدقها على الماهية محتاجاً إلى واسطة في العروض. ثانياً: المفاهيم التي يكون صدقها محتاجاً إلى واسطة في الثبوت. 3. كل ما كان صادقاً على الماهية من حيث خروجه عن مرتبة الماهية، فإن هذا الصدق والثبوت سيكون خارجاً عن ذات الماهية وبحيثية زائدة على ذاتها. والعدم ومفهوم الوجود لا يمكنهما القيام بدور هذه الحيثية. وبالضرورة، فإن حقيقة الوجود وحدها ستكون هي العامل في هذا الصدق والثبوت. وقد اعتبر مدرس طهراني هذا البرهان جامعاً لكل أو معظم براهين ملاصدرا في باب أصالة الوجود.
خلاصه ماشینی:
إن ما طُرح في كتب صدر المتألهين وغيره من الحكماء المتعالية مثل الحكيم السبزواري [5 و 6] ينظر إلى الخلاف الثاني، بمعنى أن البحث بدأ من الواقع الخارجي أي الموجود، حيث يُسأل: هذا الواقع الخارجي محكي عنه ومصداق أي من المفهومين: الوجود والماهية؟ هل هو أولاً وبالذات -أي بدون واسطة في العروض وبدون حيثية تقييدية- مصداق مفهوم الوجود وثانياً وبالعرض مصداق الماهية، أم العكس؟ على أية حال، في كتب الحكمة المتعالية لم يُقدم أبداً تصوير آخر للخلاف والنزاع بين الأصالة الوجودية والأصالة الماهوية غير التصوير المذكور أعلاه، ولم يُرسم النزاع الثنائي أبداً كما رسمه آقا علي.
ونظراً لطول هذا الجزء من كلام آقا علي، فإننا نسجله بالشكل التالي مع بعض التلخيص وتصحيح بعض العبارات: [1] كل مفهوم ثبوتی بما هو ثبوتی يكون خارجاً عن مرتبة ذات الماهية، وفي الواقع يكون الثبوت له يكون، أي يكون صادقاً عليها بحمل عرضي بالعرَض، ويكون صدقه وعروضه محتاجاً إلى واسطة في العروض؛ وهو برهان على أن مفهوم الوجود له في الواقع فردٌ يكون ذلك الفرد بدون اعتبار عقلي بل بالذات وفي مرتبة الذات وكل مصداق لذلك المفهوم الثبوتی، وتكون تلك الماهية بالعرَض مصداقاً لذلك المفهوم؛ لأنه بما أن كل ما هو بالعرض ينتهي بالضرورة إلى ما هو بالذات، فإن ذلك الواسطة إما أن يكون بالذات مصداقاً لذلك المفهوم الثبوتی أو ينتهي إلى أمر يكون بالذات مصداقاً له، وبما أن سنخ العدم بما هو عدم ليس له صلاحية المصداقية بالذات للمفاهيم الثبوتية، وإلا لكان إما تحول حيثية العدم بما هو عدم إلى حيثية وجودية، أو تحول ذلك المفهوم الثبوتی بما هو ثبوتی إلى مفهوم عدمي، وهذا الانقلاب مزدوج محال، فضلاً عن أنه لا توجد ماهية صالحة لأن تكون بالذات وبتمام ذاتها مصداقاً لماهية أخرى، ولا بد أن يكون ذلك الواسطة من سنخ الوجود.