Abstract:
إن طقوس الحداد الجماعي لدى المزارعين في بلاد ما بين النهرين وفينيقية، تيمناً بدوموزي وموته، تركت في ذهن شعوب المشرق العربي أثراً عميقاً لم يتم تحليله بعمق كافٍ بعد؛ إن دراسة هذا الطقس الأسطوري في الأدب العربي المعاصر، ولا سيما في ملحمة «مرثية غيلان» -التي نظمها السياب عام 1957م تكريماً لميلاد ابنه الوحيد «غيلان»- تعد ضرورية؛ فمن ناحية، يمثل استعراض مصائب الإله النباتي المضحى به في نص القصيدة تعزية لكل فرد من البشر، ومن ناحية أخرى، فإن إعادة قراءة هذه الأسطورة القديمة في ذهن الإنسان المعاصر التائه تحمل نوعاً من الإيمان بحتمية البعث. الهدف الرئيسي لهذا البحث هو استعادة العناصر الأساسية التي شكلت أسطورة الزوج النباتي في ملحمة «مرثية غيلان». منهج هذا البحث هو النقد الأسطوري، وتظهر النتائج النهائية أن السياب استطاع في ملحمته إعادة صياغة البنية العميقة والتراكيب الأساسية للنصوص القديمة لأسطورة البعث النباتي، بما في ذلك: الإله النباتي المضحى به، الإلهة النباتية، العالم السفلي، الشجرة، والربط بين الدم والماء، وذلك في نهج متماسك يتناسب مع ظروفه الخاصة ويرتبط بوضع وطنه. كما استفاد أيضاً في هذه الملحمة من رمز المسيح المصلوب من خلال تصويره في مكان تموز الشهيد في أسطورة البعث.
Machine summary:
استعادة أسطورة البعث النباتي في ملحمة «مرح غيلان» لبدر شاكر السياب 1 كلثوم صديقي، أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة فردوسي مشهد المستخلص إن مآتم الجماعات على الزروع في بلاد ما بين النهرين وفينيقية، تخليداً لذكرى تموز وموته، قد تركت في ذهن شعوب المشرق العربي انعكاساً لم تُستقصَ أعماقه بعد بالشكل الواجب؛ إن دراسة هذا الطقس الأسطوري في الأدب العربي المعاصر، ولا سيما في ملحمة «مرح غيلان» -التي نظمها السياب عام 1957م احتفاءً بمولد ابنه الوحيد «غيلان»- تكتسب ضرورة من جهة كون استعراض مصائب الإله النباتي المضحى به في نص القصيدة يبعث السلوى في نفس كل فرد من البشر، ومن جهة أخرى لأن إعادة قراءة هذه الأسطورة القديمة في ذهن الإنسان المعاصر التائه، تحمل في طياتها نوعاً من الإيمان بحتمية البعث.
المماثلة بين الزوج النباتي الأسطوري في نص القصيدة إن الصور والتمثيلات المقدمة لدورة الموت والحياة في نص «مرحي غيلان»، تُظهر الزوج النباتي الأسطوري في هذه القصيدة في هيئة شاعر النص وابنه غيلان؛ ففي هذا النص، يظهر بدر شاكر السياب في مكانة الإله القربان وإله النبات الشهيد، الذي تظهر فيه في الأجزاء اللاحقة علامات الإله الابن القربان للأم السورية، مريم العذراء؛ أي المسيح المصلوب، بينما يظهر ابنه غيلان في مكانة الإلهة لأسطورة البعث النباتي؛ أي عشتار، التي تهيئ بولادتها أسباب البعث؛ إن رؤية السياب في هذا النص القائم على الأسطورة، من البداية إلى النهاية، هي رؤية مثالية ومؤمنة بالبعث؛ وذلك لأنه بدأ القصيدة بكلمة استبشارية وهي «مرحي»؛ وهذا الاستهلال يصور النهج المتفائل للشاعر وسعادته بميلاد ابنه غيلان؛ وتتعزز هذه الفكرة في الذهن عندما نعلم أن «غيلان، بوصفه الابن الذكر الأول للسياب، ولد في الثالث والعشرين من نوفمبر 1957م، بالتزامن مع ذكرى ميلاد جده عبد الجبار، وكان السياب يعتقد أن هذا الولد سيجعل ذكره ونسبه خالداً؛ ومن هذا المنطلق، كان ابنه غيلان في اعتقاده تجسيداً عراقياً خصباً وأخضر ومزدهراً، وبعد ولادته، شعر من شدة الفرح وكأنه يذوب في أعماق نهر "بويب"، وينساب مع مياه هذا النهر ليمنح الحياة للنخيل كما يفعل الرب بعل، ولا شك أن قصيدة "مرحي غيلان" المفعمة بالمشاعر هي أبرز تمثال خالد يرسم هذه الأحاسيس والعواطف لبدر شاكر السياب.