Abstract:
يعد التسامح من أهم المفاهيم وأكثرها تعقيداً في حقوق الإنسان الدولية. لقد اعتبرت الأمم المتحدة التسامح أحد القيم الأساسية والجوهريّة في جميع العلاقات الدولية في "قمة زعماء الأمم المتحدة للقرن الحادي والعشرين". إن ظهور وتجلي مظاهر عدم التسامح الجديدة في السنوات الأخيرة جعل من الحاجة إلى التسامح ضرورة لا مفر منها. بغض النظر عن المعاني المختلفة للتسامح في المجالات الفلسفية والدينية والسياسية، يمكن تعريف التسامح بمفهومه العام والشامل بأنه الصيغة المتميزة للتعايش السلمي بين أفراد البشر الذين يمتلكون وجهات نظر ومعتقدات وعقائد وخصائص أخرى "مختلفة" في جميع التعاملات والعلاقات الاجتماعية. يرتبط هذا المفهوم بشكل لا ينكر بتعدد الأفكار والسلوكيات، وتشكل التعددية، وخاصة التعددية الثقافية، الأساس والمبدأ لمفهوم التسامح. من الناحية التاريخية، تطور المفهوم الحديث للتسامح في بداية العصر الحالي، ولكن يمكن العثور على سوابق قليلة ومهمة في آن واحد في العصور القديمة، بطريقة استلهم منها الكتاب الجدد في حالات متعددة. ومع ذلك، فالمسلم به هو أن التسامح كان في البداية مفهوماً أخلاقياً بحتاً يقتصر على قبول حق الفرد في اختيار الدين والعمل به، ولكن بعد القرن الثامن عشر، توسع مفهومه ليشمل احترام أي نوع من المعتقدات، سواء كانت دينية أو سياسية. يعتمد مفهوم التسامح من ناحية على معرفة حقوق الآخرين واحترام شخصيتهم وهويتهم رغم الاختلاف في المعتقدات والثقافة واللغة وغيرها، وهو يهيئ الأرضية للحوار وتبادل الأفكار في فضاء مليء بالاحترام المتبادل. إن القيم الاجتماعية والسياسية الحديثة التي نشأت منها المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان قد دخلت في البداية كأهم شرط للحفاظ على النظام الاجتماعي تحت سيادة القانون بسبب الحاجة إلى التسامح. ومن ناحية أخرى، فإن مفهوم التسامح والترويج له ونشره، من خلال التعليم، يعد عاملاً أساسياً في إرساء السلام بين الأفراد والجماعات والأمم والدول. وقد تمت الإشارة بوضوح إلى الدور الرئيسي لتعليم التسامح من أجل تحقيق السلام في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإعلان مبادئ التسامح، وبرنامج وخطة عمل ثقافة السلام.
Machine summary:
ومن بين أهم هذه الوثائق يمكن الإشارة إلى إعلان وبرنامج عمل دوربان لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري ورهاب الأجانب وعدم التسامح، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وإعلان اليونسكو بشأن العرق والتمييز العنصري، وإعلان القضاء على جميع أشكال عدم التسامح والتمييز على أساس الدين أو المعتقد المعروف بإعلان عدم التسامح، وإعلان القضاء على أي تمييز عنصري.
إن الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم لعام 1990، وإعلان الأمم المتحدة بشأن الأقليات العرقية والدينية واللغوية في 18 ديسمبر 1992، وإعلان المجلس الأوروبي في 9 أكتوبر 1993، والاتفاقية الإطارية لحماية الأقليات الدينية التي أقرها المجلس الأوروبي في 1 فبراير 1995، واتفاقية الأقليات في 1 فبراير 1995، مع إدانتها لعدم التسامح ضد جماعات الأقليات، قد أرست قواعد حماية حقوق الأفراد المنتمين إلى الجماعات من خلال تطبيق التسامح، وتُلزم الدول الموقعة والمشرعين الوطنيين بتعزيز روح التسامح والحوار بين الثقافات واتخاذ تدابير فعالة من أجل تسهيل ودعم واحترام والتفاهم المتبادل والتعاون بين الأفراد المقيمين في أراضيهم.
». تركز الإجراءات الدولية الرامية إلى تعزيز حقوق الإنسان بشكل أساسي على ضرورة مكافحة جميع أشكال عدم التسامح ودعم الأقليات والفئات الضعيفة (بما في ذلك الأطفال والمهاجرين وذوي الإعاقة) من أجل احترام القيم والحقوق الإنسانية العالمية.
وتعتبر المادة 7 من هذا الإعلان الدول المتعاقدة ملزمة بالمكافحة الشاملة من أجل محاربة التعصب الذي يؤدي إلى التمييز العنصري، كما تلزمها بنشر وتوسيع نطاق التفاهم وروح التسامح والتوفيق والمودة بين المجموعات والأعراق والأقوام المختلفة، وتعزيز نوايا ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على التمييز العنصري ومواد هذه الاتفاقية، وتعتبر الإجراءات الفعالة لا سيما في مجال التعليم والتربية والثقافة ونشر الأخبار العامة أمراً ضرورياً.