Abstract:
إن مفهوم الله هو أحد الانشغالات الأساسية للإنسان التي شغلت حتى عقول الملحدين. يتضح الدور الجوهري لهذا المفهوم وكيفية الإيمان بوجود الله أو عدم وجوده في جميع أبعاد حياة الإنسان، أي أن الموقف التوحيدي أو الإلحادي تجاه الله هو الذي يحدد طبيعة الوجود الإنساني بشكل عام، ومعنى الحرية والمسؤولية الأخلاقية له بشكل خاص. كما أن كيفية الإيمان بإله الأديان السماوية أو غير السماوية تؤثر أيضاً في تحديد معنى الحرية والمسؤولية الأخلاقية للإنسان، لأن كيفية تصور الإله المُعتقد به تحدد حدود الطبيعة والأفعال الأخلاقية للإنسان. وفي الأديان التوحيدية أيضاً، فإن كيفية الإيمان بأبعاد التوحيد، مثل التوحيد الذاتي والصفاتي والفعلي وكذلك التوحيد العملي، تعبر عن حدود الحرية والمسؤولية الأخلاقية للإنسان، لأن نوع تصورات الإنسان للمراتب المختلفة للتوحيد هو المحدد للعلاقة بين الله والإنسان. بالإضافة إلى ذلك، يجب الانتباه إلى نوع نظرة الإنسان لصفات الله، أي كيفية نسبة الصفات المتناهية أو غير المتناهية مثل العلم والقدرة والإرادة إلى الله، وتحديد نوع العلاقة بين الصفات الإلهية والبشرية يؤثر أيضاً في معنى الحرية والمسؤولية الأخلاقية للإنسان. وفي هذا السياق، يلعب نوع تعريف الصفات المذكورة دوراً أساسياً في كيفية تحديد الأفعال الجبرية والاختيارية للإنسان. بناءً على ذلك، فإن شمولية النظرة الإيمانية أو الإلحادية وأبعاد فكرنا حول كيفية الإله الذي نؤمن به هي المحددة لمكانة وطبيعة أفعالنا، والتي تعد الحرية والمسؤولية الأخلاقية من أهمها. في هذا المقال، يتم فحص الحالات المذكورة تحليلياً وتوضيح نتائجها.
Machine summary:
وفي الواقع، في رؤية الفلاسفة الغربيين الجدد، يُقدم إله شبه ناقص ومبني على الفهم الذاتي (Subjective) للإنسان الحديث، وهو يعتمد على كيفية فهم الإنسان أكثر مما يحكم الإنسان، ولذلك لا يمكن لهذا الإله أن يقدم قوانين كلية للإرادة الحرة والمسؤولية الإنسانية.
وتكمن أهمية هذا التوجه في التوحيد الصفاتي في إرجاع جميع الصفات الإلهية إلى ذات الله، وأن مصدر جميع الصفات التي تُلاحظ في العالم هو وحدة وهوية بساطة الحق تعالى؛ وليس أن ذات الله شيء مختلف عن صفاته مع إمكانية وجود نوع من العلاقة والتبعية بينهما، وهو الرأي الأخير الذي ذهب إليه بعض المتكلمين الأشاعرة؛ أي أنهم اعتبروا نوعاً من الانفصال بين الذات والصفات الإلهية، مما قد يؤدي -بالإضافة إلى كون الذات الإلهية مركبة- إلى نوع من احتياج الذات لصفاتها (شيخ الإسلامي، 1387: 205-207).
فمثلاً، الإيمان بالشرك الذاتي، أي وجود عدة آلهة جنباً إلى جنب أو وجود إله مركب تكون النقص والاحتياج من أهم سماته، يوفر للإنسان إمكانية الهروب من مسؤوليته الأخلاقية؛ لأن مثل هذا الإله، الذي ليس إلهاً في الواقع، ليس له إحاطة بالإنسان وأفعاله الحرة ولا يـ يمكنه أداء وظائفه الإلهية بشكل كامل، وبالتالي يضطر إلى ترك الإنسان لشأنه حتى يقرر بنفسه ماهية أفعاله الأخلاقية.
وفي المقابل، إذا كان التوحيد العملي بكل أبعاده بلا معنى للإنسان، أي إذا لم يعتبر الإنسان نفسه مسؤولاً كعبد لله أمام إله قدير وحكيم وعليم، ولم يكن مستعداً لعبادته وعبوديته، ففي هذه الحالة سيغير هذا التوجه نظرة مثل هذا الإنسان إلى حريته ومسؤوليته الأخلاقية؛ أي أنه سيكون إنساناً متحرراً وبدون أي علاقة مع الله القدير المتعال، وبالتالي لن تقع على عاتقه أي وظيفة تجاه مثل هذا الإله ليكون مسؤولاً عن أفعاله وسلوكه الأخلاقي.