Abstract:
يعد التجسيم أحد الفروع الرئيسية للانحراف الدلالي. يبحث هذا النوع من الانحراف في الخصائص والعناصر الجمالية في النصوص الأدبية، وله ارتباط وثيق بعلم البلاغة والمحسنات البديعية المستخدمة فيها. يُستخدم التجسيم بشكل أساسي للتعبير عن المفاهيم المجردة والعقلية، وذلك من خلال تصوير هذه المفاهيم في قالب صور مجسمة وحسية وملموسة، مما يهيئ المجال لديناميكية وحركة الصور في النصوص الأدبية. ينقسم التجسيم إلى فروع فرعية أخرى مثل التشخيص (تجسيد الكائنات الحية)، والسيولة، والتجسيم المادي، والتي تختلف وظائفها في النصوص المختلفة باختلاف طبيعة وخصائص كل منها. يمتلك نهج البلاغة بأبعاده المتعددة، سواء من حيث الشكل أو المحتوى والمضمون، رابطاً وثيقاً بالقرآن الكريم؛ ومن هذا المنطلق، فإن أسلوب بيان الإمام في عرض المفاهيم المعرفية أو الأفكار الشخصية هو انعكاس للبيان الأدبي والفني للقرآن الكريم؛ ولهذا السبب، تجلت العديد من الصور الأدبية القرآنية بشكل بارز في نص نهج البلاغة. يذهب الإمام علي (عليه السلام) في بيانه الأدبي إلى حد أن يتحد ترابط كلامه مع كلام الوحي، وهذا الترابط يجعل النص والتحاور النصي في كلام الإمام يكتسبان هوية واحدة. ما يتناوله هذا المقال هو دراسة الصور التجسيمية للقرآن الكريم في نهج البلاغة من منظور علاقات الانحراف الدلالي. وبناءً على ذلك، في البحث الحالي، يتم فحص وتقييم وظيفة الصور التجسيمية للقرآن التي تظهر في قالب التشخيص البشري، والتشخيص الحيواني، والتجسيم المادي، إلخ، في نهج البلاغة، لتحليل وتوضيح كيفية عمل كل نوع من الأنواع المذكورة في سياق كلام الإمام (عليه السلام). تظهر نتائج البحث أنه من بين الصور التجسيمية، يتمتع التشخيص (جاندارپنداری) في نهج البلاغة بتردد أعلى مقارنة بالأنواع الأخرى من التجسيم.
Machine summary:
وفي التجسيد -الذي ينقسم بدوره إلى فروع فرعية أخرى مثل «التجسيد الذهني»، و«التجسيد السيال»، و«التجسيد الحي»- يأخذ الشاعر أو الأديب في وصف الأشياء غير الحية أو المفاهيم العقلية والمجردة، المكون الدلالي (+ملموس) بعين الاعتبار، ويحول كل مفهوم من هذه المفاهيم إلى خصائص حسية وعينية في سياق كلامه (المصدر نفسه: ٢٤)، ويقوم بنوع من التصوير أمام ناظري متلقيه، ويرسم من مشهد جامد وثابت صورة ديناميكية ومتحركة، تمتلك قدرة إيحائية أعلى بكثير، وبالتالي تأثيراً أكبر في استثارة المتلقي، وتؤدي دوراً مهماً في إبراز الكلام؛ وذلك لأنه في مثل هذا الأداء، يتم كسر البنية المعتادة للغة العادية غالباً، وتتداخل الألفاظ والكلمات مع بعضها البعض بطريقة لا تكون مألوفة أو شائعة في البنية النحوية للغة المعيارية؛ ومن هنا، فإن خروج الشاعر والأديب عن إطار قواعد اللغة يكون مصحوباً بنوع من الابتكار والتجديد، وبما أنه يستفيد من العناصر الأدبية والجمالية في بيان غرضه الأصلي، فإن قالب وبنية كلامه تكون متوافقة ومتجهة نحو أداء وأهداف اللغة الأدبية -التي هي إيصال الرسالة إلى المتلقي الواعي-.
وفي هذا القسم من التجسيد، تتخذ الصور الأدبية الناشئة بناءً على هذه الصناعة شكلاً يأتي غالباً في قالب الاستعارات المكنية؛ وذلك بسبب اقتران المكونات التي تدل في اللغة المعيارية على كائن حي -وهنا حصراً حيوان- بالمفاهيم المجردة والعقلية، تتخذ الصورة الأدبية للكلام شكلاً؛ بحيث يُشار تحديداً إلى نوع الكائن الحي.
في نهج البلاغة، يصور الإمام علي (ع) وجه الموت وماهيته الحقيقية بطريقة بديعة وغير تقليدية في قالب التحييز الحيواني متأثراً بالقرآن الكريم، ويضع الموت في كلامه أحياناً مقترناً بألفاظ وكلمات تُستخدم في تعريف الحيوان؛ ومن هنا، فإن بعض الصور الأدبية في كلام الإمام (ع) التي تصف الموت، قد استُخدمت بناءً على فن التشخيص في قالب الاستعارة المكنية، وأضفت بُعداً مادياً وحسياً على مفهوم الموت المجرد.