چکیده:
بالنظر إلى أن التصوف الإسلامي يعد من أهم التيارات الفكرية والثقافية في العالم الإسلامي بأكمله وخاصة إيران، فإن تشخيص آفات التصوف له أهمية كبيرة. التصوف الذي استطاع مواصلة حياته عبر التاريخ رغم التقلبات الكثيرة، لديه مريدون ومعارضون كثر مثل أي فكر مذهل وعظيم آخر، لدرجة أن مجموعة اعتبرته جوهر الدين ومعدنه، بينما اعتبرته مجموعة أخرى كفراً وإلحاداً. من بين الانتقادات التي وُجهت للصوفية، فإن نقد الصوفي للصوفي -بدلاً من نقد الجوانب النظرية والفكرية للعرفان والتصوف- وبالاعتماد على الجوانب العملية والسلوكية للصوفية، يقدم صورة أكثر عدلاً وفي الوقت نفسه أكثر موضوعية عن الآفات التي لحقت بالتصوف. ومن هذا المنطلق، سعت المقالة الحالية إلى فحص الانتقادات الموجهة للصوفية في كتاب المثنوي المعنوي، الذي يعد من أهم مصادر معرفة العرفان والتصوف.
خلاصه ماشینی:
» (الغزالي، ١٣٨٣، ج١، ص٣٦) إن نقد الصوفية للعلوم الظاهرية قد أدى أحياناً لدى بعضهم إلى العداء للعلوم وتحقير العلماء، لدرجة أن أبا سعيد السندي يقول: «كنت مقيماً في رباط صوفي، وكنت أطلب الحديث خفية عنهم، فذات يوم سقطت المحبرة من كمي، فقال أحد الصوفيين: استر عورتك!» (ابن الجوزي، ١٣٦٨، ص٢٣٠) ومولانا أيضاً، الذي كان في زمانه من أبرز علماء عصره، ينتقد أصحاب العلوم الظاهرية في المثنوي بأشد وجه أحياناً وينشد قائلاً: «يعلم مئات الآلاف من العلوم، لكن ذلك الظلوم لا يعرف نفسه » «يعرف خصائص كل جوهر، لكنه في بيان جوهره كالحمار » «يقول هذا جائز وهذا لا يجوز، وأنت لا تدري أأنت جائز أم عجوز » «تعرف هذا المستحب وهذا المكروه، ولكن هل أنت مستحب أم مكروه؟ بينك وبين الخير والشر واليمن والنحس تفاوت كبير، فلا تنظر يا سعدي أأنت سعيد أم ناشئ، إن حقيقة كل العلماء هي أن تعرف من أنا في يوم الدين» (الدفتر ٣، الأبيات ٢٦٥٤/٢٦٤٨) وكما أشار مؤلف كتاب ابن قيم الجوزية، فإن سبب عدم اكتراث الصوفية بالعلوم الظاهرية، وما يتبع ذلك من عداء الفقهاء لهم، يعود إلى تقسيم الدين إلى قسمين: الحقيقة والشريعة.
(انظر ابن قيم الجوزية، ١٩٩١، ص٥٢٨) وبالإضافة إلى الفقهاء وأهل الحديث، فقد برز الكثير من الصوفية أنفسهم في مقام الدفاع عن العلم ووقفوا ضد معارضي العلم؛ فعلى سبيل المثال، كان الجنيد يعتقد بشأن قيمة علم الحديث وحفظ القرآن أنه: «من لم يحفظ القرآن و يکتب الحديث لايقتدي به في هذا الامـر لان علمنا مقيد بالکتاب و السنة »( المصدر نفسه، ص٥٢٤) أما مولانا، الذي انتقد العلوم المكتسبة والظاهرية، فإنه في موضع آخر يعرف العلم بأنه شجرة مثمرة للحياة الخالدة.