Abstract:
بلا شك، فإن توازن وهيكل القوة في الحيز العربي الإسلامي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتخذ شكلاً يجعل من أي تغيير أو تحول هيكلي فيه، إلى جانب تأثيراته الواسعة داخل الحيز، سبباً في حدوث هزات جيوسياسية جديدة على مستويات دولية مختلفة. ومع التصاعد التدريجي للانتفاضات الشعبية في هذا الحيز وسقوط بعض الأنظمة الديكتاتورية بشكل مبكر، ومع زعزعة كراسي السلطة في دول عربية أخرى واستمرار وتوسع التغييرات والتحولات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي أدت إلى إضعاف شديد للمكانة والعمق الاستراتيجي لإسرائيل (الكيان المحتل للقدس)، فإن الظروف الراهنة تشير إلى حالة من القلق والتحولات الواسعة في التصورات الاستراتيجية للقوى المؤثرة تجاه مسار وآفاق التحولات المذكورة، والتي تشمل بشكل أساسي موضوعين: اليقظة الإسلامية المصحوبة بموجة من مطالب الشباب العربي، وكذلك التحول في البنى الجيوسياسية للنظام الإقليمي. لا سيما وأنه لا يُستبعد التنبؤ بنوع من إعادة البناء الاجتماعي المتغير ونهضة اجتماعية قائمة على القومية الجديدة مع حضور أكثر فاعلية للشعب في المجالات المختلفة لهذه المجتمعات. ولكن بالنظر إلى أن الانتفاضات الشعبية في هذه البلدان تمت بمشاركة عملية من مختلف الأطياف والمستويات الداخلية والخارجية، فمن الجدير بالتأمل أن المطالب العامة في هذه الظروف الجديدة كانت متنوعة ومتعددة للغاية، كما أن النموذج السياسي-الحاكم المتصور في هذه البلدان، مع التأكيد على التوجهات الإسلامية المعتدلة، يمكن أن يكون عملياً مزيجاً من الأسس الإسلامية والقيمية مع فضاء سياسي واجتماعي مفتوح كما تطالب به الأجيال الشابة. إن مسار ونتائج الانتخابات المختلفة، خاصة في تونس ومصر، تحكي قصة الاهتمام النسبي للشعب بدور القيم الإسلامية في مسار السيادات الحديثة. ومع ذلك، فمن الصعب جداً التنبؤ بأي تغيير جذري وقصير المدى يهدف إلى تحويل الوضع المذكور أعلاه؛ لأن القوى الغربية، في مراجعاتها الاستراتيجية لحضورها الإقليمي الأكثر فاعلية، تسعى باستمرار لمنع أي تحرك لهذه الدول نحو الانسجام الوطني، وتسعى عملياً للحفاظ على الهياكل الاجتماعية المتصارعة في هذه المجتمعات واستمرار الخلافات العرقية والمذهبية في توجهات التحولات الجديدة في الحيز العربي الإسلامي بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا. المواضيع المشار إليها أعلاه تمثل جزءاً من المسائل المناقشة في هذا المقال، الذي يهدف إلى البحث في أسباب ونتائج تحولات الحيز العربي-الإسلامي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظور استراتيجي ومحور الأسس الجيوسياسية.
Machine summary:
ومع التصاعد التدريجي للانتفاضات الشعبية في هذا المجال والسقوط المبكر لبعض الأنظمة الديكتاتورية، فضلاً عن زعزعة كراسي السلطة في الدول العربية الأخرى واستمرار وتوسع التغييرات والتحولات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما أدى إلى إضعاف شديد للمكانة والعمق الاستراتيجي لإسرائيل (الكيان المحتل للقدس)، فإن الظروف الحالية تشير إلى حالة من القلق والتحولات الواسعة في التوجهات الاستراتيجية للقوى المؤثرة تجاه مسار وآفاق التحولات المذكورة، والتي تشمل بشكل أساسي موضوعين: اليقظة الإسلامية المصحوبة بموجة من مطالب الشباب العربي، وأيضاً التحول في البنى الجيوسياسية للنظام الإقليمي.
وبناءً على ذلك، في مثل هذه الظروف، وخاصة من أجل التبيين الأكثر دقة للمصالح الجيوبوليتيكية ومستويات تدخل القوى ذات المصلحة في عملية التحولات الجديدة في المجال العربي الإسلامي (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، يمكن استخدام قواعد تصنيف المساحات كما يلي: استخدام: أ - المستوى المحلي أو مركز الأزمة: في مركز هذه الأزمة، ومع وجود المسألة الجذرية والتاريخية للنزاع العربي - الإسرائيلي التي حملت موضوع فلسطين في العقود الأخيرة دائماً كشوكة في الجسد، فإن الدول المتورطة في التحولات المذكورة بالإضافة إلى تونس، مصر، ليبيا، اليمن، البحرين، سوريا والأردن، فإن المشهد العام للأوضاع في هذا المجال هو على نحوٍ يمكن أن يشمل نطاق الأزمة وتسريبها بقية الدول الإسلامية والعربية بدرجات متفاوتة من الشدة والضعف.
وفي هذا السياق، قام العديد من محللي المسائل الدولية ووسائل الإعلام الإخبارية والتحليلية العالمية ذات الانتشار الواسع، بتحليل ودراسة الانتفاضات الواسعة الحالية من خلال توجهات ومسارات سياسية واستراتيجية متنوعة، حيث أن تشريح وتبيين الطبيعة السياسية لهذه التحولات ومعرفة أي توجه أو مسار سياسي وجيوسياسي تضرب جذوره في التحولات الجارية في هذا المجال، يعد مسألة مهمة تم بحثها ضمن الخيارين (الفرضيتين) التاليين: التوجه الأول- السبب الرئيسي لانتشار الاحتجاجات العامة في المجال العربي الإسلامي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو التحول في السياسات العالمية، وخاصة الإقليمية للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تغيرت من الدعم العلني للديكتاتوريين إلى دعم الديمقراطيات الموجهة.