Abstract:
بالتوازي مع طرح ما بعد الحداثة في الغرب، فتح مفكرون نافذون مثل سيد أحمد فرديد الباب أمام منظومة فكرية ناشئة في إيران من خلال طرح الغرب كرمز للأنانية والنفس الأمارة. فرديد، الذي يتحدث لغة هايدغر، يسعى لتحرير العالم من براثن الميتافيزيقا الغربية والذاتوية (Subjectivism) المترتبة عليها. ولا يمكن إغفال أن استلهام فرديد من هايدغر كان له جانب سلبي، كما أن الجزء الإيجابي من نقد الغرب في جهازه الفكري لا توفره الحكمة الإنسانية والتصوف غير العربي. النقطة المهمة التي يمكن ذكرها بخصوص الفرق بين فكر هايدغر وفرديد هي أنه على الرغم من أن هايدغر يتصدى لنقد جذري للميتافيزيقا الغربية، إلا أنه في نهاية المطاف مفكر نابع من تقاليد الفكر الميتافيزيقي الغربي. في هذا المقال، يتم بحث وفحص هذه النقطة: كيف أن أحمد فرديد، من خلال تفكيك فكر مارتن هايدغر واستعارة عناصر مثل معارضة الذاتوية والميتافيزيقا الغربية من فكره، مع الاستعانة بالمبادئ الإسلامية والعرفانية، يقدم صياغة جديدة يمكن تلخيصها في نقد الغرب ككتلة واحدة متكاملة. وبالرغم من البصائر القابلة للتأمل في فكر فرديد، إلا أن هناك انتقادات وُجهت لفكرة أيضاً. فرديد يعارض أساساً الفلسفة وكل أنواع التفكير المنطقي والاستدلالي، في حين أن القرآن الكريم يؤكد مراراً وتكراراً على أهمية الاستدلال. وفيما يتعلق بحكمة التاريخ عند فرديد، هناك شكوك كثيرة؛ إذ يعتبر فرديد أن أصل التاريخ يبدأ من اليونان في زمن أفلاطون، والسؤال الذي يمكن طرحه هو: هل كانت البشرية قبل تلك الفترة تعيش في عصر أمة واحدة بدائية، وكان الجميع موحدين وبدون طبقات وبعيدين عن كل أنواع النفسانية؟! نقطة أخرى هي أن تفسير فرديد للغرور والعالمية والتعاريف والتفسيرات المترتبة عليها، هي ادعاءات لا يستطيع تقديم حجج مقنعة لإثبات مزاعمه فيها، وهذا يعتبر نقطة ضعف كبيرة في منظومته الفكرية.
Machine summary:
ففي الفترة التي سبقت الثورة الإسلامية، وتحديداً بين عامي ١٣٤٢ و١٣٥٧ (هجري شمسي)، ترك فريد تأثيراً هائلاً على الفضاء الفكري والثقافي في إيران، وكان جلال آل أحمد واحداً من أشهر المثقفين الذين تأثروا بأفكار فريد، حيث وجه انتقادات حادة ولاذعة للغرب ولكن في قالب أدبي واجتماعي، وكانت هذه الانتقادات هي السبب في هيمنة الخطاب الإبداعي الذي يمكن تحديد عناصره ودقائقه المكونة لهذا الخطاب في سمات مثل: الصراع مع العرب، والنزعة المحلية، ومفهوم العودة إلى الذات.
بناءً على ذلك، فإن هذا الخفاء هو نفسه الظهور، والظهور والخفاء ليسا موضوعين منفصلين، لذا فإن جوهر الوجود هو ذاته حالة التستر، ومن خلال هذه المستورات يمكن الوصول إلى الوجود الأصيل أو الوجود (ريخته گران، ١٣٩٠: ٨٩).
من وجهة نظر فرديد، فإن اليوم هو حقبة سيادة البشر، بمعنى سيادة النفسانية على التاريخ التي تبدأ من عصر النهضة، ويمكن اعتبارها ليبرالية فلسفية؛ وهذا الموضوع نفسه يتبع الحرية المطلقة لرغبات الإنسان، وعلى هذا الأساس، لا شيء يحد من الإنسان سوى رغبات الآخرين، وهذه هي روح العصر الجديد التي يسميها فرديد (الذاتية التأسيسية).
كما أن فرديد، من خلال توطين أفكار هايدغر وتقسيم التاريخ إلى ما قبل الأمس، وأمس، واليوم، وغد، وما بعد الغد، يرى أن "ما قبل الأمس" و"ما بعد الغد" هما تجلي تحقق الوجود، وهو يعتقد أنه رغم كون أمس واليوم والغد مظاهر للطاغوت والنفس الأمارة والذاتوية، إلا أن الإنسان موجود واقف نحو الخارج يمكنه أن يتسامى ويتجاوز حدوده التاريخية ليعبر عن وجوده في إمكانات وآفاق تاريخية أخرى.