چکیده:
يجب أن تتمتع «إلزامية» إرادة السلطة الحاكمة بالمشروعية، وهو ما يشكل أساس السلطة الحاكمة وطبيعتها. وهذا يختلف عن مشروعية السلوك الإرادي أو مشروعية الإرادة (التي تنشأ عن السلوك البشري)؛ لأن مشروعية السلوك البشري تعتمد على مشروعية إرادة الإنسان ومدى مطابقة الإرادة لمعايير «الحق» و«العدالة». أما في مسألة إلزامية إرادة السلطة الحاكمة، فمن أجل المشروعية، لا يكفي مجرد كون الإرادة التي انبثقت منها السلطة مشروعة. وفي هذا الصدد، قدمت المذاهب المختلفة للفلسفة السياسية لكل منها أساساً لهذا الأمر، وللإسلام أيضاً أساس في هذا السياق يجب أن يخضع للتحليل الفلسفي والعقلاني. ولتحقيق ذلك، يجب أن تتمتع السلطة الحاكمة بالمشروعية من جانبين: كونها إرادة، وقدرتها على إلزام الآخرين، ولكن لا يمكن للعقل البشري أن يكون أصلاً لمشروعية الإرادة؛ لأن العقل نفسه يحتاج إلى معيار ومرجع آخر ليميز في السلوك الإرادي للإنسان بين الصواب والخطأ، وبين العدل والظلم، وبين الحسن والقبيح. وفي الفكر الإلهي، يمكن للعقل والحكمة الإلهية، نظراً لإحاطتهما الكاملة بالأمور وعصمتهما الذاتية، أن يشكلا معياراً أساسياً كاملاً وحقيقياً للقضايا العلمية. كما تنبع الإرادة الإلهية من هذه الحكمة الإلهية نفسها. ومن ثم، فإن هذه الإرادة، بسبب مطابقتها للمعايير الأساسية للحسن والعدالة وهي العقل الإلهي، ستكون دائماً متوافقة مع العدل والحسن والصواب. وعلى هذا الأساس، يصبح الوحي الإلهي هو الأصل الوحيد لمشروعية الإرادة البشرية والقرار الإنساني.
خلاصه ماشینی:
أما المشروعية فهي العنصر الذي من خلاله تحصل السلطة الحاكمة على إذن ممارسة الإرادة واستخدام قدراتها؛ بحيث أنه بدون وجود عنصر المشروعية، تتحول السلطة الحاكمة إلى استبداد وظلم، وفي هذه الحالة تكون وظيفة المجتمع أو الأمة هي السعي لتقليل نطاق نفوذ سلطته أو عزله واستبداله بحاكمية جديدة تتمتع بالمشروعية.
أما في بعد الشخصية الاجتماعية والقدرة الجماعية، فإن قوة الفرد مستمدة من الإرادة الجماعية، وهذه الإرادة الجماعية تتشكل من تراكم ووضع الإرادات الفردية جنباً إلى جنب، حيث تخلق الأمنيات والطموحات المشتركة انسجاماً بين هذه الإرادات، وبهذا يتحقق إرادة جماعية؛ وهي الإرادة التي تبلور الشخصية الاجتماعية للأفراد، ومن خلالها تستطيع المجموعة البشرية تحقيق أهدافها وطموحاتها.
علاقة إرادة الحاكم بمصدر المشروعية كما ذكرنا، هناك احتمال أن تكون إرادة الأغلبية، رغم انبثاقها من الإرادة الشعبية، إرادة غير مشروعة؛ لأن طريقة جمع الإرادات الفردية حول بعضها البعض وتحقيق الإرادة الغالبة قد تتم بناءً على الخداع أو الترهيب أو غيرها من الأساليب غير المشروعة؛ ذلك أن الإرادة الأغلبية المنبثقة من الإرادة الشعبية لا تعني بالضرورة مشروعيتها؛ بل إن إرادة الأغلبية -بسبب كونها ناتجة عن إرادات فردية وُضعت جنباً إلى جنب- يمكن أن تكون إرادة لا تتطابق مع معايير الحق والعدل، وبالتالي تكون إرادة «غير مشروعة» (حتى وإن لم تُستخدم أساليب غير مشروعة في تشكيلها)؛ لأن الإرادات الفردية أيضاً قد تخطئ ولا تسلك الطريق الصحيح دائماً.
بناءً على ذلك، فإن الإرادة الاجتماعية (الجماعية) التي تتجلى في إرادة الأغلبية (الغالبة)، لا يمكن أبداً أن تكون مصدر المشروعية؛ لأنها تحتاج لمصدر سابق من أجل مشروعيتها، وبناءً عليه يتحدد مدى توافقها واتساقها مع العدل والحق.