Machine summary:
إن وضع الكذب والصدق في نطاق الأخلاق ونسبتهما إلى كون الإنسان خيراً أو شريراً لا يؤدي إلى نتيجة، لأن الكثير من الأدلة تشير إلى أن الخداع، منذ بداية ظهور الكائنات الحية، كان أحد أدوات التطور والبقاء، وإن كان بطريقة سنرى لاحقاً أن البشر قد أوصلوها إلى الكمال واستخدموها كفن للاستفادة الفردية.
ومن أجل إنشاء هذا الارتباط الحيوي الذي يبدو بسيطاً ومتاحاً، استغرقت الطبيعة مئات الملايين من السنين لكي تنشأ أجهزة الإرسال والاستقبال، أي الأعضاء الحسية، وتشير الأدلة إلى أن هذا الأمر لم يكن سهلاً.
لكن مشكلات الطبيعة التي أرادت تجهيز الكائنات بأجهزة استقبال الأخبار لم تنتهِ عند هذا الحد، لأنه بالتزامن مع ظهور أكثر أجهزة الرؤية كمالاً والتي تتمتع بها الحيوانات المتطورة بما في ذلك الطيور والثدييات، كان سطح الكرة الأرضية إما مغطى بالمياه أو بالغابات والمراعي الكثيفة، ولم تكن للعين فعالية تذكر في أي من هاتين البيئتين؛ وبذلك كان الصوت وحده هو الوسيلة التي يمكن أن تكون وسيلة اتصال موثوقة نسبياً للكائنات الحية، ومع مرور الوقت، اكتسب الصوت دوراً جعل حياة العديد من الحيوانات مستحيلة بدون استخدامه.
بعد قطع هذا الطريق الذي استمر مئات الملايين من السنين، اسمحوا لي أن أعود إلى موضوع التواصل بين الكائنات الحية.
لقد قيل إنه مع زيادة أعداد وأنواع الكائنات الحية، تصاعد التنافس من أجل البقاء، فأوجدت الطبيعة الحواس لكي تتمكن الكائنات، بالاعتماد على ما تجده، من معرفة الظروف المحيطة بها والبقاء بمنأى عن الخطر قدر الإمكان.
لكن الأمر تجاوز ذلك، ومع تقلص فرص الهروب، لم يتبقَ سوى طريق الخداع للكائنات التي لا تملك القدرة على المواجهة المباشرة مع العدو، أي ساد سلوك لا يعكس "الواقع"، وهذا هو الشيء الذي نسميه بيننا نحن البشر "الكذب".